مقدمة تاريخية

شهد تاريخ البحرين السياسي وقفات عديدة من قِبل الحراك الجماهيري المطلبي لأجل الاصلاح والتطور الديمقراطي والمشاركة السياسية في ادارة شؤون البلاد، ففي بداية القرن الماضي كان يعتمد أهل البحرين في مصدر رزقهم على الغوص والزراعة قبل ظهور النفط. فقد ظهرت أول حركة احتجاجية في القرن الماضي عام 1919م على إثر الظلم الذي وقع على الغواصين والتسلط الذي مورس عليهم من قبل تجار اللؤلؤ، فكانت انتفاضة الغواصين التي طالبت بتحسين أوضاعهم المعيشية.

وقد استمر الحراك السياسي في البحرين شداً وجذباً حتى شهد شهر مايو من عام 1923م صراعًا أهليًا وطائفيًا بالتزامن مع التدخل البريطاني المباشر وقيام المستعمر بدعم المطالب الشيعية في ذلك الوقت وعزل الشيخ عيسى بن علي آل خليفة من إدارة شؤون البلاد، فتشكلت ردة فعل من قبل شيوخ القبائل وعلماء الدين من الطائفة السنية آنذاك عبر تشكيل جبهة وطنية تمثلت في المؤتمر الوطني الذي عقد في مدينة المحرق بتاريخ 26 أكتوبر 1923م وتم انتخاب ممثلين من اثنتي عشرة شخصية وطنية أطلق عليهم مسمى أمناء الأمة أو “وكلاء الأمة” وهم : الشيخ عبدالوهاب بن حجي الزياني، والشيخ أحمد بن راشد بن لاحج، ومحمد بن راشد بن هندي، وعبداللطيف بن محمود، وعيسى بن أحمد الدوسري، والسيد عبدالله بن ابراهيم، وشاهين بن صقر الجلاهمة، ومهنا بن فضل النعيمي، وحسين المناعي، ومحمد بن صباح البنعلي، وجبر بن محمد المسلم، وأحمد بن جاسم الجودر.

وأصدر المؤتمر لائحة تتضمن عددًا من المطالب الاصلاحية منها: التمسك بالشيخ عيسى بن علي حاكماً للبلاد، ورفض تدخل المعتمد البريطاني في الشؤون الداخلية، وتشكيل مجلس شورى ينظر في مصالح العباد كالمجالس الموجودة في كافة البلاد، وإقامة النظام القانوني على أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحاء، وتشكيل محكمة للغوص. وكانت ردة فعل الاستعمار البريطاني أن قام باعتقال قيادات الحركة، ونفي الشيخين عبدالوهاب الزياني وأحمد بن لاحج إلى الهند في نوفمبر 1923م.

وبعد الضربة الموجعة التي تعرضت لها قيادات حراك 1923م، بدأ الحراك الشعبي المطلبي يأخذ زمام الأمور مرة أخرى في عام 1932م حيث شكل الغواصون احتجاجات أخرى بسبب نظام “التسقام” الذي شكل ظلمًا فادحًا للغاصة من خلال بقاء ديونهم عامًا بعد عام وتوريثها عند وفاتهم وتم اعتقال عدد من قيادات ذلك الحراك، مما دفع مجموعة من الغاصة إلى التوجه للمعتقل للإفراج عنهم، وتم قمعهم من قبل الشرطة البنجابية آنذاك حتى سقط بعض الضحايا بالرصاص وتم جلد آخرين في سوق المحرق تحت رعاية مستشار الحكومة “بلغريف”.

وفي أعقاب تلك الأحداث، بدأ حراك شيعي الطابع عام 1934م إذ تقدموا بعريضة للمطالبة بإحداث إصلاحات من خلال أن يكون لهم دور في المجالس البلدية، وأن يكون هناك مجلس تجار منتخب، وأن يكون رئيس الشرطة من الطائفة الشيعية، وقد دفعت هذه الأحداث إلى تشكل حراك وطني منظم، ضم نخبة من القيادات الشعبية البحرينية (السنية والشيعية) عام 1938م حمل لواء المطالبة بتأسيس مجلس تشريعي واتحاد للعمال وخفض أعداد العمالة الأجنبية واصدار صحيفة سياسية وتنظيم العمل الحكومي بموجب قوانين واصلاح قطاع التعليم، إلا أن السلطات قامت بإلقاء القبض على قيادات الحراك (سعد الشملان، وأحمد الشيراوي، وعلي الفاضل)، وقام “بلغريف” بالاجتماع مع ممثلي الطائفة الشيعية لتحييدهم ومنع تدخلهم في عملية الاضراب والاحتجاجات التي دعت إليها مجموعات وزعت منشورات مذيلة بتوقيع (رابطة الشباب الأحرار) و(شباب الأمة) وغيرها.

وبعد ذلك ازدادت حدة التوتر السياسي خاصة مع بداية انتشار الفكر القومي في المجتمع البحريني، ودخول مرحلة جديدة تأثرت تأثرًا كبيرًا بالمد العروبي والحراك التحرري ضد الاستعمار الذي كان يجتاح الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، فقام القائد الوطني عبدالرحمن الباكر بالتحرك لتشكيل تجمع وطني – من السنة والشيعة – يقوم على الأسس والمبادئ المذكورة، فتشكلت على إثر ذلك هيئة الاتحاد الوطني عام 1954م، والتي مثلت أول حزب سياسي علني في الخليج العربي بعد أن حظي بالاعتراف الرسمي، وتكونت الهيئة من مائة وعشرين شخصية قامت بانتخاب لجنة تنفيذية تشكلت من ثمانية أشخاص وهم : عبدالرحمن الباكر (سكرتيراً عاماً) وعضوية كل من عبدالعزيز الشملان، وعلي بن إبراهيم، ومحسن التاجر، وإبراهيم بن موسى، وعبدالله أبو ديب، وعبدعلي العليوات، وإبراهيم فخرو .

وقد تبنت الهيئة مطالب عادلة في تشكيل مجلس تشريعي، واصدار قوانين مدنية وجنائية، وتشكيل محكمة للنقض والإبرام والإقرار بحق تشكيل نقابات عمالية، وقد نجحت هذه الحركة في تأسيس اتحاد عمالي بالإضافة إلى إصدار أول قانون عمل عام 1957م، إلا أنه بعد أزمة قناة السويس في مصر، انتهت هذه الحركة بصدور قرار حل الهيئة واعتقال قياداتها ومحاكمتهم عام 1956م ونفي كل من عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان وعبدعلي العليوات إلى جزيرة “سانت هيلانه”، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن قادة هيئة الاتحاد الوطني – وأبرزهم القائد الوطني “عبدالرحمن الباكر” – كانت لهم مواقف واضحة وصريحة في رفض التدخلات الإيرانية في الشأن المحلي حيث كان النظام الإيراني يطالب بضم البحرين لسيادتها، كما كانت لدى الباكر مواقف واضحة في ضرورة قيام اتحاد خليجي بين إمارات الخليج آنذاك.

وقد أدت التحولات الصناعية والاقتصادية، في أعقاب اكتشاف النفط عام 1932م، إلى تشكل طبقة عاملة بعد إنشاء شركة بابكو لتكرير النفط، حيث عمل البحرينيون في قطاع النفط، بعد أن كان الاقتصاد يعتمد على صناعة اللؤلؤ والزراعة والصيد، فتحول النظام الاقتصادي إلى نظام الدولة الريعية، وتزامًا مع حراك شعبي في بعض إمارات الخليج نحو التحرر من الاستعمار البريطاني مع استقلال دولة الكويت عام 1961م وصدور دستورها العقدي عام 1962م، فقد أقدمت شركة نفط البحرين على فصل حوالي 1500 عامل بحريني على دفعات، واندلعت على إثرها انتفاضة شعبية عارمة بتاريخ 5 مارس 1965م، حيث بادرت التيارات والتنظيمات السرية (القومية واليسارية) وقتها بقيادة المواجهات ضد قوى الأمن، وسقط عدد من الشهداء في تلك المواجهات التي استمرت ما يقارب ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى جملة من الاعتقالات طالت القيادات البارزة.

أقدمت السلطات الإيرانية على إحتلال الجزر الإماراتية في خطوة تصعيدية أدت إلى توتر المنطقة، في ظل  تزايد المطالبات الإيرانية بضم البحرين لسيادتها، فقامت احتجاجات وطنية في البحرين عام 1968م احتجاجًا على احتلال إيران للجزر الإماراتية، وفي ظل تلك الظروف فقد تقدم المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة بخطاب للأمين العام في 9 مارس من عام 1970م بطلب حل الخلاف بين إيران وبريطانيا والتحقق من رغبات شعب البحرين، وثم قدمت بريطانيا – بحكم العلاقة الاستعمارية على أرض البحرين – خطابًا بالموافقة على الطلب الإيراني في 20 مارس 1970م، وأجاب الأمين العام في 28 من الشهر نفسه بالموافقة، عبر خطابين متشابهين للجانبين الإيراني والبريطاني، وبعدها بدأت بعثة تقصي الحقائق عملها بالقيام بزيارة البحرين واستطلاع الآراء التي انتهت برغبة شعب البحرين بقيام دولة عربية مستقلة لا تخضع للسيادة الإيرانية.

وبعد أن قررت السلطات البريطانية الانسحاب من البحرين، ونالت البلاد استقلالها في 14 أغسطس 1971م كان من الضروري أن تنضم البحرين إلى عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يتطلب صدور دستور يحدد إطار الحكم في البلاد، فتم تشكيل المجلس التأسيسي لوضع الدستور الجديد، وفي هذه الأثناء قامت حركة عمالية تطالب برفع الأجور وتحسين المستوى المعيشي عام 1972م بدأت من عمال طيران الخليج وأخذت في التوسع في أكثر من شركة لتفضي إلى إضراب عام أدى إلى شل الحركة الصناعية والتجارية، حيث يعدّ أول إضراب مدني بعد استقلال البحرين، وللمرة الأولى يتم فيه نشر قوة دفاع البحرين لاحتواء الوضع.

وفي عام 1973م صدر دستور البحرين وجرت أول انتخابات برلمانية في تاريخ البلاد، واستمر المجلس الوطني في سجال مع الحكومة لمدة عامين، وقد سجلت أسعار النفط ارتفاعًا هائلًا إبان حرب أكتوبر 1973م حيث تم استخدام النفط كسلاح في المعركة القومية لأول مرة، وفي ظل عدم رغبة الحكومة لأي رقابة يمارسها ممثلو الشعب على تلك الثروة، قامت الحكومة بتقديم مشروع باصدار قانون تدابير أمن الدولة، الذي يسمح بالاعتقال التعسفي دون محاكمة لمدة ثلاث سنوات، فرفضه ممثلو الشعب وقتها، وقد أدى الاحتقان السياسي إلى اعتقال القيادات الشعبية ونواب الشعب، وصدور قرار حل المجلس الوطني في 26 أغسطس 1975م وتعطيل العمل بأحكام الدستور لتدخل البلاد في حالة فراغ دستوري وسياسي.

ومع قيام الثورة الايرانية التي أطاحت بحكم شاه ايران، تأثرت الأوضاع الداخلية في البلاد بذلك تأثرًا واضحًا، حيث انحسر المد القومي والعروبي شيئًا فشيئًا وتراجعت شعبية القوى اليسارية وبدأت تظهر الاحزاب والتنظيمات السرية الإسلامية الشيعية، وتبنت بعضها مناهج انقلابية ورفعت شعار (لا شرقية لا غربية .. جمهورية إسلامية) وهو شعار الثورة الإيرانية والنظام الإيراني فيما بعد، وقد كانت أبرز التيارات الشيعية : الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين، وحزب الدعوة (فرع البحرين)، وقابلها مد اسلامي من الطائفة السنية، حيث بدأ التيار السلفي في التشكل كما أخذ تيار الأخوان المسلمين في الاتساع.

وبعد الضربة الموجعة التي هزت الوطن العربي، بقيام القوات العراقية باجتياح دولة الكويت (1990م-1991م)، وتدخل قوى التحالف إلى الأراضي السعودية لتحرير الكويت، وما أعقب ذلك من عودة الحياة السياسية الكويتية، فقد دفعت هذه الأحداث النخب السياسية البحرينية إلى التحرك لإعادة العمل بالدستور المعطل، وفي بداية أكتوبر من عام 1992م فوجئت الساحة السياسية في البحرين بحديث وسائل الإعلام عن عزم الحكومة على تأسيس مجلس استشاري معين، وفي ضوء تلك التطورات المحلية والإقليمية، بدأ الحراك الوطني المنظم في التشكل مرة أخرى في عام 1992م، وقد قامت شخصيات وطنية ودينية بتشكيل لجنة “العريضة النخبوية” التي وقع عليها 365 شخصية، طالبت بإعادة العمل بدستور البحرين وإعادة الحياة النيابية، وقد شهدت تلك الفترة حراكًا وطنياً (سنياً – شيعياً) ضم جناحَيْ المجتمع البحريني، ففي الطرف السني الشيخ عبداللطيف المحمود وفي الطرف الشيعي الشيخ عبدالأمير الجمري، بالإضافة إلى القوى الوطنية والديمقراطية، وعُقد الاجتماع التمهيدي الأول في منزل علي ربيعة وبحضور كل من: محمد جابر صباح والمحامي أحمد الشملان والمهندس هشام الشهابي والشيخ عبداللطيف المحمود وأحمد منصور والمحامي محسن مرهون وعيسى الجودر والمهندس سعيد العسبول وإبراهيم كمال الدين، وفي هذا الاجتماع طرح الشيخ المحمود اسم الشيخ عبدالأمير الجمري كممثل للطائفة الشيعية، فوافق المجتمعون على الترشيح وكلفوا الشيخ المحمود بمخاطبته، وانضم إليهم أيضاً عبدالوهاب حسين.

وتضمنت العريضة مطلب إعادة العمل بالدستور وعودة المجلس الوطني عن طريق إجراء انتخابات حرة لاختيار الأعضاء وعودة الصلاحيات الدستورية المخولة إلى مجلس النواب بوصفه سلطة تشريعية. وقد أكدت العريضة أن مجلس الشورى المزمع تشكيله لا يتعارض مع المجلس الوطني ولكنه لا يحل محله، وقُدمت العريضة إلى أمير البلاد حيث توجه وفد إلى قصر الأمير مؤلَّفًا من: الشيخ عبدالأمير الجمري ومحمد جابر صباح والشيخ عبداللطيف المحمود وعيسى الجودر وعبدالوهاب حسين، وتم اختيار الشيخ الجمري متحدثًا باسم المجموعة، ولكنها قوبلت بالرفض، مما أدى إلى التفكير في عريضة أخرى.

وفي أكتوبر من عام 1994م بدأ الترويج لعريضة أخرى سميت بـ (العريضة الشعبية) التي اكتسبت تأييدًا جماهيريًا كبيرًا، ووقع عليها أكثر من ثلاثة وعشرين ألف مواطن، ويمكن ملاحظة أن الحراك في نهاية القرن الماضي كان حراكًا وطنيًّا في بدايته حيث ضم أطياف المجتمع البحريني وتياراته السياسية، متمثلًا في الشيخين الجمري والمحمود، بالإضافة إلى القوى الوطنية والديمقراطية، وفي ديسمبر من عام 1994م انفجرت الأوضاع السياسية على إثر اعتقال قيادات من الشارع الشيعي ونفيهم وهم : الشيخ علي سلمان والشيخ حيدر الستري والشيخ حمزة الديري، وأدى كل ذلك إلى حراك عنيف من جانب المعارضة الشيعية وقتها، وقوبلت بضربة أمنية شديدة من قبل النظام السياسي، واستمرت المواجهات على مدى أعوام وأدت إلى سقوط ضحايا من الجانبين.

ظلت الأجواء الأمنية والاحتقان السياسي مخيمين حتى عام 1999م بعد وفاة المغفور بإذن الله تعالى الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، فبعد أن تولى جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة (أمير البحرين وقتها) مقاليد الحكم في البلاد، قام بحركة انفراج شجاعة تمثلت في إلغاء قانون تدابير أمن الدولة والافراج عن السجناء وعودة المنفيين، وطرح مشروع ميثاق العمل الوطني الذي أخرج البحرين من عنق الزجاجة في إطار مصالحة وطنية شاملة، وقد وافق شعب البحرين على الميثاق بنسبة 98.4% في فبراير 2001م، وصدر على ضوئه دستور البحرين 2002م (المعدل)، الذي تضمن بشكل أساسي تغيير مسمى دولة البحرين إلى مملكة البحرين وتغيير مسمى الأمير إلى ملك، واستحداث نظام “المجلسين” بدلاً من نظام المجلس الواحد كشكل للسلطة التشريعية الجديدة، وتم السماح بالعمل السياسي العلني تحت قانون الجمعيات الأهلية، وبدأت الدعوة لأول انتخابات نيابية لمجلس النواب بعد ميثاق العمل الوطني، وقد شاركت فيها المرأة البحرينية.

وفي هذه الأثناء ، توجهت المعارضة الشيعية وأبرزها “جمعية الوفاق” إلى مقاطعة أول انتخابات تشريعية في ظل الدستور الجديد (انتخابات 2002م)، في خلاف حول آلية تعديل الدستور وقتها وانفراد الحكم بذلك دون إشراك بقية القوى الشعبية، وقاطعت المعارضة الشيعية انتخابات مجلس النواب باستثناء تيار الشيخ سليمان المدني، في حين شاركت القوى السياسية السنية.

وبعد أربعة أعوام، وتحديدًا في عام 2006م، أدركت المعارضة الشيعية خطأها الإستراتيجي عندما قامت بمقاطعة انتخابات 2002م، وقررت المشاركة في العملية السياسية، وأدى ذلك إلى خلاف داخل التيار الشيعي أفضى إلى خروج زعامات بارزة منها، بالتزامن مع الخلاف حول قانون الجمعيات السياسية الذي صدر عام 2006م وانضواء الوفاق تحت مظلته، فانقسمت الحركة الشعبية الشيعية إلى قسمين، أولها الوفاق ومن معها التي قررت المشاركة في الانتخابات في محاولة للإصلاح السياسي والاقتصادي من داخل قبة البرلمان، وقد قام عدد من القيادات المنشقة من الوفاق بتأسيس حركة (حق) وتيار الوفاء الإسلامي المتشددين،  حيث انتهجا منهجًا عنيفًا في التعامل مع السلطة من خلال المواجهات في الشارع مع قوات الأمن التي أدت إلى سقوط ضحايا من الجانبين على مدى خمسة أعوام.

لقد أدى المشروع الإصلاحي إلى استرداد المعارضة الشيعية عافيتها، واستمرت في عملية المطالب العنيفة من خلال تياراتها المتشددة، في الوقت الذي شاركت الوفاق في مجلس 2006م وشكلت غطاءً سياسيًا لعمليات العنف، وقدجوبهتْكل هذه التطورات باستياء عام من قِبَل المكون السني بسبب العنف العبثي المستمر. وفي الوقت نفسه شعر المواطنون بالعجز الحاد من قبل مجلس النواب عن محاسبة الحكومة ومكافحة الفساد الذي ازدادت وتيرته، والحد من الاستئثار بالثروات الوطنية، ودخول الكتل النيابية (السنية والشيعية) في صراعات طائفية على حساب مصلحة الوطن والمواطن، حتى جاءت انتخابات 2010م لتفضي إلى مجلس مكون من كتلة الوفاق وآخرين ظهروا بمظهر المستقلين السنة بعد تراجع شعبية الكتل الإسلامية السنية وتراجع السلطة عن دعمها.

أحداث فبراير ومارس 2011م

في نهاية عام 2010م بدأت حركة احتجاجية في تونس بعد أن حرق الشاب الجامعي العاطل عن العمل “محمد البوعزيزي” نفسه احتجاجًا منه على تعامل السلطات الأمنية معه، واشتعلت الثورة التونسية التي أطاحت بحكم الرئيس التونسي “زين العابدين بن علي”، وانتقال تداعياتها وتأثيراتها إلى جمهورية مصر العربية التي اندلعت فيها ثورة 25 يناير2011م التي أطاحت بحكم الرئيس المصري “حسني مبارك”، وما أعقب ذلك من زلزال شعبي عنيف ضرب الوطن العربي في سياق ربيع الشعوب العربية.

وفي ظل حاجة البحرين إلى اصلاحات سياسية واقتصادية، ظهرت حركة احتجاجية سميت بحركة شباب 14 فبراير، قامت بتنظيم حراك في الشارع مطلع عام 2011م ورفعت شعار “إسقاط النظام”، مدعيةً بأنه حراك سلمي لا ينتهج العنف سبيلًا لتحقيق المطالب الديمقراطية، وانضمت القوى السياسية الشيعية وبعض المجموعات السياسية النخبوية إلى هذا الحراك الذي بدأ يتصاعد بشكل دراماتيكي خاصة مع حركة الإعلام العربية والدولية في ظل مناخات ثورات الشعوب العربية الأخرى.

وفي ضوء ذلك، وتقديرًا لحجم الأزمة التي بدأت تلوح في الأفق، فقد تداعى للاجتماع عدد من الشخصيات الدينية والوطنية المحسوبة على التيار السني بكافة أطيافه خلال يومي 17 – 18 فبراير 2011م، وقد أفضت المشاورات إلى تشكيل قوة وطنية تحت مسمى “تجمع الوحدة الوطنية” بتاريخ 19 فبراير 2011م، وتشكلت لجنة عليا لقيادة الحراك برئاسة الشيخ عبداللطيف المحمود بالإضافة إلى ثمانية عشرة شخصية.

وتمت الدعوة إلى صلاة جامعة في مركز الفاتح الإسلامي، وقد لبى الدعوة جمعٌ كبير يقدر بـثلاثمائة ألف مواطن بتاريخ 21 فبراير 2011م بمشاركة الأقليات الدينية، وقام تجمع الوحدة الوطنية بتوجيه خطاب إلى الشعب وقتها وقد تضمن الخطاب رسائل هامة في تأكيد الوحدة الوطنية والمطالبة بإجراء الإصلاحات السياسية والمعيشية ورفض التدخل الأجنبي في الشؤون المحلية.

وفي هذه الأثناء كانت المعارضة الشيعية تشترط إقالة حكومة الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة كأحد الشروط للدخول في الحوار الذي أطلقه ولي العهد، كما قامت كتلة الوفاق النيابية بتعليق عضويتها في مجلس النواب. ثم قام تجمع الوحدة الوطنية في 2 مارس 2011م بالدعوة للقاء جماهيري حاشد تحت شعار “لنا مطالب” أكد فيه على ما تضمنه الخطاب الأول والاستعداد للدخول في الحوار فورًا، كما تضمن الخطاب مطالب أساسية موجهة إلى النظام السياسي لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

إن اتخاذ قوى المعارضة الشيعية مسارًا آخر، لا يتناغم مع تاريخ الحركة الوطنية، خاصة بعد انسحاب قوات الجيش والأمن من دوار مجلس التعاون “مركز الاحتجاجات” والسماح بالتظاهر، من خلال ما طرح من شعارات عدائية لأسرة آل خليفة، وتحول الاحتجاجات من الإطار السلمي إلى الطابع العنيف المتمثل في قطع طريق المرفأ المالي، والإضراب العام عن العمل الذي أعلنه الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين(شمل قطاعات أخرى كالمعلمين) في سياق توجه لتنظيم عصيان مدني عام قد يؤدي إلى تحقيق شعار “إسقاط النظام”، وذلك بالتزامن مع السيطرة على مجمع السلمانية الطبي الذي شكل مركزًا آخر للاحتجاجات وإلقاء الخطب السياسية، وفي ظل انقسام المجتمع البحريني فقد قابل الشارع السني الإضراب بالتطوع في العمل لتسيير الدولة ومرافقها في كافة القطاعات.

وفي ظل الدعوة التي أطلقها المتشددون الشيعة لتشكيل “التحالف من أجل الجمهورية” وفقًا للنموذج الإيراني، وبدأ مظاهر الشحن الطائفي بين مكونات المجتمع، خاصة مع حادثة “بنت البسيتين” التي تم اعتراضها من قبل المتظاهرين الشيعة قرب المرفأ المالي بتاريخ 7 مارس 2011م، مما استدعى الدفاع عنها من قبل شريحة كبيرة من المواطنين السنة قد تجمعوا بالقرب من منزلها في منطقة البسيتين يقدر عددهم بعشرة آلاف شخص، في الفترة التي انكفأت فيها أجهزة الأمن وتعطلت الدولة تعطلًا جزئيًا لمدة أسبوعين تقريبا، مما دفع المواطنين إلى تشكيل لجان شعبية وأهلية للدفاع عن أنفسهم ومناطقهم، في خطوة جريئة سجلت قدرة شعب البحرين على حماية نفسه بنفسه، ومقاومة أي تمرد أو استئثار بالقرار الوطني ومواجهة أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية، في ظل هذه التعاديات كانت محاولات تجمع الوحدة الوطنيةفي دعوة القوى السياسية الشيعية للدخول في الحوار الذي أعلنه ولي العهد الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، والاتفاق على المشتركات، في الوقت الذي طرح ولي العهد دعوته للحوار وفق النقاط السبع الجريئة التي أعلن عنها بتاريخ 13 مارس 2011م (1- مجلس نواب كامل الصلاحيات 2- حكومة تمثل إرادة الشعب 3- دوائر انتخابية عادلة 4- التجنيس 5– محاربة الفساد المالي والاداري 6– أملاك الدولة 7– معالجة الاحتقان الطائفي. وغير ذلك من مبادئ ومحاور)، إلا أنها وُوجهت بتعنت الوفاق ومن معها وتنصلهم من إيجاد حل توافقي بين مكونات الشعب وبين النظام ظنًا منهم أنهم كانوا قاب قوسين أو أدنى من سقوط النظام واستلام التيار الشيعي لزمام السلطة، حتى ترتب على ذلك دخول قوات درع الجزيرة في 14 مارس 2011م وإعلان حالة السلامة الوطنية في 15 مارس 2011م ونزول قوات الجيش “قوة دفاع البحرين” إلى الشارع لفرض الأمن المفقود، والذي أدى إلى حملة اعتقالات واسعة وفصل عدد كبير من العمال والموظفين، وقد أوردت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في تقريرها التاريخي الشهير بـ “تقرير بسيوني” انتهاكات متعددة قامت بها السلطة والمعارضة الشيعية على حد سواء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: