التسامح الانتقائي مبررا للإقصاء السياسي


بداية ماذا نقصد بـ«التسامح الانتقائي مبررا للإقصاء السياسي»؟

نقصد من خلاله أن الشخصية الإعلامية التي تمارس خطاب التسامح تكون في الحالة الاجتماعية فقط دون السياسية، ولا يمنع من استذكار التاريخ السياسي المشترك، بغرض إضفاء صورة ناصعة لتلك الشخصية الإعلامية من جانب، ومن جانب آخر لإيهام المتلقي بأن التسامح له تاريخ وجذور يتعدى الخطاب الاجتماعي، ولكن عندما نأتي للسياسة الآنية الحالية يقف هذا الخطاب التسامحي، ليناصر معسكره السياسي الذي يرى فيه المثالية ودون إنصاف الآخر المخالف له.

نرى ذلك المفهوم جليا يتبناه بعض الإخوة العرب المؤيدين لإيران، حينما يقومون بتجميل النظام السوري والعراقي وحتى المليشيات الطائفية باليمن، دعونا نفكك المشهد الواحد تلو الآخر، فعلى سبيل المثال كلنا شاهدنا الثورة السورية منذ بدايتها والتي استمرت بسلميتها إلى حين تسهيل دخول عناصر ارهابية متطرفة من خارج الحدود السورية، والنظام السوري هو من يتحمل دخول هذه العناصر لداخل حدوده، وما أن دخلت هذه المليشيات خرج العرب المؤيدون لإيران عن صمتهم وقالوا إن الأولوية الآن هي محاربة الإرهاب وحماية المقدسات، وهي معادلة يحسنها أي نظام استبدادي، فإدخال أي تطرف فإنه يفسد أي ثورة مطلبية سلمية، وهذا ما سعى إليه النظام السوري ليتحول من مسبب فعلي للأزمة إلى جزء من الحل بحجة محاربة الإرهاب، واستعان لتسويق معادلته دوليا بالنظام الروسي والإيراني.

فنجح النظام السوري من خلال هذه المعادلة في ضرب الثورة السلمية، ولم يضرب داعش بداية وإلى فترة جدا متأخرة، لأنها ليست من أولوياته، ولأنه يعلم بأن داعش ستنشغل بضرب الجيش السوري الحر للإخضاع القسري لضم معارضي النظام في معسكرهم عن طريق ما يسمى بإدارة التوحش، فأخذ يقتل الشعب السوري بشتى أنواع الأسلحة، وثبت أنه استخدم الأسلحة الكيمائية المحظورة دوليا ضد المدنيين العزل من نساء وأطفال، وبمساندة «حزب الله» الذي رأى أن من أولوياته حماية النظام البعثي العلوي الموالي عفوا أقصد المقدسات كبداية لتحرير القدس كما يزعم، ولكن ماذا كان دور تلك الأبواق الإعلامية «التسامحية»؟ كانت توجهاتهم بأن النظام يحارب الإرهاب فقط، وأن الشيخ البوطي رحمه الله لم يسلم وهو سني، وأن صور الضحايا من الأطفال والنساء والمدنيين العزل هي نتيجة الإرهاب المدعوم من قبل دول إقليمية والولايات المتحدة.. الخ، وعندما التقيت أنا شخصيا بعدد من اللاجئين السوريين من مختلف الشرائح «من الدكتور إلى العامل» في دول مختلفة أكّدوا لي شخصيا بشاعة النظام وهو المتسبب الأول والأخير بكل ما يجري للشعب السوري، طبعا باستثناء البعض من الطائفة العلوية السورية الكريمة التي تخشى رحيل النظام لأسباب أخرى.

نأتي إلى الحالة العراقية التي يسوق لها الإخوة العرب المؤيدون لإيران بأنها حكومة ديمقراطية مدنية، نستغرب هذا الطرح لسبب بسيط، كيف لحكومة وطنية لا تعتمد على جيش نظامي، بل تعتمد على مليشيات طائفية تسمى بالحشد الشعبي، شعاراتها طائفية وراياتها مذهبية، والتي تبين مؤخرا أن النظام يخصص لهم مليارا من ميزانية العراق، بحجة حماية العراق من المليشيات الارهابية، بالرغم من أن أول شعار لهم لتلك المهمة كان شعار «لبيك يا حسين»، الذي تدارك العبادي شخصيا خطورته وحوله إلى «لبيك يا عراق»، ويسوق الإخوة العرب المؤيدون لإيران في بداية احتلال العراق، بأن أي شخص يعارض حكومة «المنطقة الخضراء» بأنه بعثي، ولذلك تبنوا شعار اجتثاث البعث وكان به تجاوزات تعدت ذلك الإطار وكأنه أصبح اجتثاثا مذهبيا، فمع سياسة الإقصاء الكلي لأي منتمٍ للبعث وهي سياسة خاطئة أو تنقصها الحكمة، فهل الموظف البسيط في وزارة خدمية منتمٍ للبعث يستحق أن يعزل من وظيفته بحجة اجتثاث البعث، ولربما انتمى لحزب البعث حتى يضمن تلك الوظيفة التي تؤمن له رغيف العيش اضطرارا. من يدري؟ ولكن من جانب آخر وجدنا تلك الأبواق الإعلامية، ترفض أي حل للأزمة السورية دون نظام البعث السوري، وترى أن إقصاء البعث من مستقبل سوريا سيخلق مزيدا من التطرف، ولكنها لا تريد أن تعترف بأن اجتثاث البعث العراقي سياسة خاطئة أبدا.

نذهب إلى الحالة اليمنية ونستذكر موقفنا الواضح من دعم الشرعية في اليمن ضد مليشيات طائفية تسمي نفسها أنصار الله تيمنا بحزب الله، والتي قائدها الروحي يكنى بروح الله، ونستذكر خلالها ما قاله الكواكبي:

«إنه ما من مستبد سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي مع الله. ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله».. انتهى الاقتباس.

وحينما دعمنا الشرعية اليمنية بدعمنا لقوات التحالف العربي ضد المليشيات المحسوبة على الطائفة الشيعية الكريمة والتي توالي للمعسكر الإيراني بحسب تصريحات قيادتها وتعاونها العلني معهم، وبعد استنفاد كل الدعوات للحوار في إطار البيت الخليجي العربي، نذكر بأننا دعمنا أيضا قبل ذلك قوات التحالف العربي ذاته عندما دعموا الشرعية في العراق ضد مليشيات محسوبة على الطائفة السنية، ولكن أن تبجل أو تصمت لدور قوات التحالف في العراق وتتباكى في اليمن، عليكم فعلا أن تراجعوا حساباتكم، ولا يمكن لزعيم طائفة أن يتحد مع رئيس مخلوع لفساده بأن يحقق لكم دولة مدنية ديمقراطية في اليمن وغيرها.

فالخطاب التسامحي الانتقائي الذي يبرر لاجتثاث البعث في العراق، ويدعم النظام البعثي السوري لأنه بعثي موالي وعلوي أو عفوا لأنه يحارب الإرهاب ومع توظيف السياسي للخطاب وذكر حادثة اغتيال الشيخ البوطي، ويرى أن حرب قوات التحالف العربية عقائدية ويخفي دور هذا التحالف في دعم الشرعية العراقية المخالفة له عقديا، ويريد نظاما ديمقراطيا مدنيا باليمن من خلال قوى طائفية تطلق على نفسها أنصار الله، ونظام عراقي يعول على مليشيات طائفية كبديل للجيش النظامي بحجة حماية السنة من داعش والمقدسات، أمر يستحق التوقف عنده لربما تجدون تخريجات أكثر قبولا للعقل.

في الختام من أراد التسامح الحقيقي لا الانتقائي، عليه أولا بنقد ذاته ومعسكره السياسي، حينها فقط أستطيع أن أنصت إليه لأسمع ما عنده، ولكن لعب دور المثالية الزائفة سيقتل الوسطية بيننا، لنعيش تحت رحمة الطائفية.


أخبار الخليج

العدد : ١٣٧٤٨ – الجمعة ١٣ نوفمبر ٢٠١٥ م، الموافق ٣٠ محرم ١٤٣٧ هـ




اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: