مقال | دور شعب البحرين المناصر للشيخ خزعل الكعبي في محنته بالأحواز

عندما نتحدث عن دور شعب البحرين، يتوجب علينا ذكر توطئة تاريخية للمنطقة والأحواز العربي، فبعد الانتهاء من الحرب العالمية الأولى عام 1918م، عمت الفوضى جميع بلاد فارس، كان ذلك بالتزامن مع الثورة الروسية عام 1917، والتي أدت إلى إقامة نظام جديد للحكم الذي قرر قطع كافة التزامات العهد القيصري السابق مع فارس، وأدى ذلك الى تخليها عن امتيازاتها ومكاسبها هناك، واستغل الانكليز الفرصة فاحتلوا المناطق التي تخلت عنها القوات الروسية، إلى أن توصل السير برسي كوكس في عام 1919 إلى توقيع معاهدة مع رئيس الحكومة الفارسية، والتي وضعت فارس بموجبها تحت السيطرة البريطانية في الادارة والجيش.
وصادف إبرام تلك المعاهدة تشكل التيارات والحركات الوطنية ذات الطابع القومي الفارسي المناوئة للاستعمار والذين رفضوا وهاجوا على تلك المعاهدة على رأسهم حركة رضا خان، وبدأت روسيا تشعر بالخطر البريطاني في ظل العجز الحاصل في حكومة الشاه بطهران. فقام رضا خان (وهو رئيس فرقة الحرس القوزاق)، بانقلاب أطاح فيه بالحكومة عام 1921، وتلا ذلك الانقلاب انشغاله مدة عامين في إخضاع الأجزاء الشمالية من فارس (1921-1923).
وكانت شخصية رضا خان طامعة إلى إعادة أمجاد الأكاسرة، ولذلك أخذ بتعزيز مفهوم القومية الفارسية وأمجادها، وأن هذه الأمجاد لن تتحقق إلا في حالة إخضاع الأحواز العربية الغنية بالنفط تحت السيطرة الفارسية، وأخذت أفكاره المتطرفة تجد قبولا لدى الفرس.
ولما شعر الشيخ خزعل بأن خان مصمم على مناهضة حكمه، أخذ يستجمع قواه لمواجهة هذا الخطر المتربص، وعند شعوره باليأس من تأخر الدعم المسلح الذي طلبه من بعض الحكام العرب، قام بالتواصل مع القبائل العربية القريبة من إمارته، وأسس معهم حلف السعادة لمناهضة تعديات رضا خان، ولكن رضا خان ازداد تصميما على احتلال الأحواز (عربستان)، الذي وصفها بمعقل الأشرار ومنبع الخطر على جميع فارس. على أثر هذه التطورات قامت الصحف العراقية والمصرية تنادي باستقلال عربستان وانفصالها عن فارس.
وواصل رضا خان العمل على نحو ما خطط له، فتقدم بجيوشه وخاض المعارك حتى وصل الى بهبان، وجرت معارك بين جنوده وعرب الشيخ خزعل يساعدهم الفرسان البختيارية، مما دفع الشيخ خزعل إلى أن يبعث رسالة إلى جميع أرجاء الإمارة يدعو العرب الى الجهاد دفاعا عن عروبة عربستان وإعلان الانفصال عن فارس واتجه إلى تشكيل نواة جيش عربستان باسم ((شباب حزب السعادة))، مؤكدا لهم أن ما ينقصه في هذه الآونة هو السلاح. وبالرغم من تحقيقه للانتصارات في عدد من المعارك وجد الشيخ خزعل صعوبة في مجابهة جيش نظامي بعشائر غير نظامية فآثر حقن الدماء.
ولما وصل رضا خان حدود الإمارة بعث رسولا إلى الشيخ خزعل ليحضره إلى مركز القيادة، وتعذر الشيخ خزعل لأسباب صحية، وأرسل ابنه ليحل الموضوع بطريقة دبلوماسية وتعهد أن يخمد الثورة مقابل تركه حاكما على إمارة عربستان من قبل الحكومة الفارسية. ولم يكن يعلم نجل الشيخ خزعل بنوايا رضا خان الذي قال قبل خروجه من طهران: «إنني ذاهب للقضاء على الشيخ خزعل فإن توقفت سأواري جسدي في مقابر المحمرة ولا أرجع الى طهران بالفشل».
وواصل رضا خان في مشروعه وأخذ يحتل القرية تلو الأخرى دونما مقاومة تذكر، وعندما دخل الناصرية التي تعد ثاني أهم مدينة في حكم الشيخ خزعل، هنأه الروس واعتبروا احتلاله هزيمة للدبلوماسية البريطانية، وأما بريطانيا فقد تخلت عن معاهداتها مع الشيخ خزعل، وتوجه رضا خان الى المحمرة لمقابلة الشيخ خزعل الذي استقبله في قصر الفيلية وطاف به أرجاء الامارة، وقبل أن يغادرها أمر بتشكيل حكومة عسكرية برئاسة أمير اللواء فضل الله خان زاهدي، على اعتبار ان المنطقة قد احتلت عسكريا لأغراض وطنية، وشكلت محكمة عسكرية باسم ((محكمة الصحراء)) ذات أحكام عرفية. وطمأن زاهدي الشيخ خزعل برسالة بأن الأمور ستحل عن قريب وعبر عن استعداده لإنجاز أعماله، وأنه كتب للحكومة طهران بإخلاص الشيخ لها، وكانت الرسالة عبارة عن حيلة ليقنع الشيخ خزعل باستتباب الأوضاع.
وبينما كان الشيخ خزعل في البصرة أعلن الجنرال زاهدي تلقيه الأوامر بالانسحاب من المنطقة، وقد غادر الأحواز الى المحمرة، وطلب من رئيس التجار أن يبلغ الشيخ خزعل بهذا الشأن، وغادر الشيخ خزعل البصرة بيخته متوجها إلى المعتمد البريطاني في الاحواز ليتأكد من صحة الخبر، فما كان من المعتمد الا أن طمأنه بصحة الخبر، ولما اطمأن الشيخ خزعل أجاب الجنرال زاهدي الذي طلب منه إقامة حفل لتوديعه، وفي هذا الحفل الغادر ألقي القبض على الشيخ خزعل ونجله عبدالحميد في ابريل من عام 1925م، فاستيقظ شعب المحمرة بمشاعر الأحزان لما جرى لقائده في تلك المؤامرة، وأخذ خبر الاختطاف ينتشر فهاجت القبائل وثارت للدفاع عن أميرها المختطف.
وفي تلك الفترة كان شعب البحرين ومنذ الربع الأول من القرن العشرين واعيا ومتضامنا مع قضايا أمته العربية والإسلامية ضد الاستعمار، باعتبار قضايا الأمة «كلٌّ لا يتجزأ»، فبادر شعب البحرين ومنذ عام 1911م بدعم ثوار ليبيا ضد الاستعمار الإيطالي عن طريق الفاضل الشيخ عبدالعزيز لطف علي خنجي، وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) حدثت حملة تبرعات كبرى لدعم الدولة العثمانية في المحرق والحد.
وبالعودة لما حدث للأحواز العربي من مؤامرة ضد الشيخ خزعل الكعبي عام 1925م، ووسط هذه الأجواء الثائرة تمكن الفاضل محمد الشامسي النعيمي من منطقة الحد من إيصال شحنة أسلحة لأنصار الأمير العربي الشيخ خزعل بن جابر الكعبي العامري، لإعانته على مناهضة رئيس وزراء ووزير الدفاع رضا خان بهلوي الذي غزا عربستان (الأحواز) في تلك الفترة واحتلها في معركة غير متكافئة. وها نحن اليوم نشهد مرور تسعين عاما على أول دعم بحريني للقضية الأحوازية، وتلك القضية التي لم تغب عن الضمير الإنساني البحريني، والدليل على ذلك مبادرة ثقافية إنسانية انطلقت من مملكة البحرين وعبر شاعرها السيد لافي الظفيري، هي مبادرة الشعراء العرب التي انضم إليها حوالي 200 شاعر عربي «من طنجة إلى لنجة» يطالبون من خلالها في بيان مشترك بالإفراج عن معتقل الرأي والرمز والبطل القومي الأحوازي الشاعر أحمد سبهان المعتقل ظلما في سجون النظام الإيراني، فتحية إجلال نقدمها من البحرين إلى أهلنا في الأحواز.

أخبار الخليج

العدد: 13576 – الأثنين 25 مايو 2015

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: