موقع شؤون خليحية: عاصفة الحزم تعمق الشرخ الطائفي في البحرين

cimage-1427556782

المنامة: حمدي عبد العزيز

ألقت عاصفة الحزم بتوابعها وتداعياتها الثقيلة على الساحة الداخلية البحرينية، بما يؤكد أن اشتعال الصراعات الإقليمية يؤثر بالسلب في حل الأزمة البحرينية المستمرة منذ 14 فبراير 2011م، وبينما أعاقت الصراعات السابقة التوصل لحل وطني، بسبب ثقل النفوذ السعودي والإيراني على طرفي المعادلة الداخلية، فإن الجديد الذي ألقته تلك العاصفة يتمثل بالأساس في عدم القدرة على بناء التوافقات السياسية حول القضايا الوطنية والإقليمية، وانتقال الخلافات السياسية من المستوى السياسي إلى الفضاء الاجتماعي.

ومن غير المتوقع أن يبحث التيار المدني الديمقراطي في البلاد عن هذه التوافقات في الصحف والندوات والمجالس، في إطار تركيزه على بناء الهوية الوطنية، وتعزيز الحريات والتنمية واللحمة الوطنية، نظرًا لأن التوجه السياسي البحريني مع العملية العسكرية السعودية بالكامل، فضلًا عن أن إجراءات وزارة الداخلية لفرض الأمن كان لها تأثير مباشر على صعود آراء سياسية بعينها وتهميش المخالفة.

وفي هذا الإطار أصدرت وزارة الداخلية بياناً حذرت فيه من “أي محاولة لاستغلال الوضع الراهن لشق صف الوحدة الوطنية وإشاعة الفتنة بين المواطنين والمقيمين في الداخل، أو صدور أي تصريح أو موقف من البعض يكون مخالفاً بأي شكل لتوجه المملكة”. ودعت إلى “اصطفاف وطني وجبهة داخلية متحدة وقوية حفاظاً على الأمن والنظام العام والاستقرار”.

وبعد بيان وزارة الداخلية، قررت النيابة العامة حبس فاضل عباس، أمين عام جمعية التجمع الوطني الديمقراطي، احتياطياً على ذمة التحقيق، بعد أن وجهت إليه تهم تتعلق بـ “إهانة” الدول المشاركة بـ “عاصفة الحزم”، و”إذاعة أخبار كاذبة وشائعات مغرضة، وبث دعايات مثيرة من شأنها إلحاق الضرر بالعمليات الحربية للقوات المسلحة”، وذلك على خلفية إصداره بياناً انتقد فيه العملية العسكرية في اليمن.

وإذا كانت الإجراءات الخاصة بمواجهة التظاهرات، أو أي عمليات لحرق الإطارات وتعطيل حركة المرور في الشوارع من جانب الوزارة تعتبر أمراً مفهوماً، فإن استمرار القبض على رموز المعارضة يعكس أن التوجه السياسي الحالي لا يتمتع بإجماع وطني، أو أن بناءه جرى بإرادة سياسية فوقية، ولم يتم التوافق عليه من جانب كافة القوى السياسية.

الإسفنجة البحرينية

يعقوب سليس، أحد قيادات تيار ائتلاف شباب الفاتح ، قال في تصريحات خاصة لموقع (شؤون خليجية)، إن موقف تياره يختلف عن الموقفين الحاليين، التأييد المطلق والرفض المطلق، وأن هذا الموقف يرتكز على الأسس التالية:

* أن دعم عاصفة الحزم ينطلق من ضرورة بقاء اليمن عربية وبعيدة عن النفوذ الإيراني، وأن الحوثيين انقلبوا على الشرعية القائمة وتعنتوا في وجه الوساطات الدولية والعربية الساعية للبحث عن حل سياسي.

* أن اليمن يشكل عمقاً إستراتيجياً لدول مجلس التعاون الخليجي، ويجب أن يبقى ضمن المنظومة الخليجية.

* أن دخول الحوثيين إلى جنوب البلاد قد فتح مستقبل اليمن أمام مسار مجهول، وعزز من فرص اشتعال صراع طائفي بين الزيود والشوافع، ونحن لا نريد أن نرى حروباً طائفية أخرى بعد سوريا والعراق.

واتهم سليس المواقف البحرينية الرافضة للعملية العسكرية بالازدواجية، نظراً لأنها ترفض العمليات العسكرية في اليمن وتقبل بها في دول أخرى، كما تطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين وترفضها في سوريا، وكل ذلك تحت شعار “الطائفة أولاً”، على حد قوله.

ووصف القيادي البحريني الشاب الوضع في البحرين بأنه مثل “الإسفنجة” التي تمتص كل الصدمات والصراعات الإقليمية، مؤكداً أن عاصفة الحزم لن تزيد الانقسام في البحرين، لأنه منقسم بالأساس!، وكل ما ستقوم به أنها ستضع خطاً جديداً أسفل “الأزمة”.

وعبر سليس عن تمنياته بأن تنتهي العملية العسكرية سريعاً، وأن تقوم دول مجلس التعاون بالمشاركة الواسعة في إعادة بناء اليمن ديمقراطياً وتنموياً ووحدوياً، قائلً إن ذلك سوف يعزز من انتماء البحرين إلى المنظومتين العربية والخليجية، وسيمكننا من بناء أية توافقات سياسية، شريطة أن تقوم الأطراف المعارضة، السياسية والمدنية، بمساعدتنا في تعزيز الهوية الوطنية، بما تعنيه من تجاوز للهويات الفرعية، أو الإعجاب بمشروع آخر تعاني منه الأقليات غير الفارسية.

عروبة الشيعة

مصدر من جمعية ثقافية، من الوسط الشيعي البحريني، فضل عدم ذكر اسمه، استنكر في تصريحات لموقع (شؤون خليجية)، تحويل الصراعات السياسية في المنطقة إلى حروب مذهبية، قائلاً: إن التمدد الإيراني لا يتحمل المسؤولية بمفرده في إشعال هذه الحروب، وإنما تتقاسمها معه المملكة العربية السعودية، التي تريد إزاحة أنظمة وبناء أخرى بديلة لا يشترط فيها الديمقراطية والاستناد إلى الإرادة الشعبية.

وعبر عن استغرابه الشديد من الدعايات التي تصف شيعة البحرين والسعودية بأنهم أدوات بيد إيران، ويتحركون بالريموت كونترول، وسوف يشعلون الوضع بقرار من طهران، إذا استمرت العملية العسكرية في اليمن، مؤكداً على عروبتهم ومواطنتهم، وأن تطلعاتهم لا تختلف عن تطلعات المواطنين الآخرين للعدل والحريات السياسية والدينية.

وفيما يتعلق بالوضع في اليمن، استغرب المصدر أيضاً من ترحيب كثير من الدعاة والشعراء بالعملية العسكرية، الموجهة ضد من أسموهم أهل الأوثان وعباد القبور، محذراً من خطورة التكفير والتخوين وتبرير أي انتهاكات مترتبة على “عاصفة الحزم”، وقائلاً: إن الإطار السياسي الخليجي همش المكون الحوثي، ولا يجب أن تؤدي العملية العسكرية إلى نفس الخطأ، حيث يجب أن يقود أي مسار سياسي إلى استيعاب كافة المكونات السياسية والاجتماعية للشعب اليمني، وأن يستند النظام السياسي الجديد على قاعدة من الإرادة الشعبية.

أما فيما يخص البحرين، فقد أضاف المصدر أن التكفير والتخوين يعني أننا نسلم مكونًا اجتماعيًا بأكمله إلى قوى أخرى، إقليمية أو دولية، رغم أن هذا المكون الاجتماعي يرتبط مصيره بوطنه وأرضه، ولديه تطلعات مشروعة يجب أن تلبى، داعياً إلى بناء تيار تجديدي من كل مكونات الشعب البحريني، لكي يكون ركيزة لمشاريع الإصلاح والتنمية،

مختتماً بالقول: إننا نريد وطناً جامعاً وأمة عربية إسلامية تشمل جميع الأعراق والمذاهب.

صراع اجتماعي

لعل أخطر توابع عاصفة الحزم يتمثل في انتقال الخلاف السياسي حول الصراعات الإقليمية، من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، حيث كانت السلطات في البحرين تتهم أطيافاً من المعارضة بالموالاة لإيران وتبعية قرارها لطهران، التي تصدر الأوامر لكي تنفذها أياد محلية، وهو ما كانت تنفيه قوى المعارضة باستمرار.

أما الآن فإن هذا الخلاف قد عمق الشرخ الاجتماعي، حيث يتهم طرف مكوناً اجتماعياً بأكمله “شيعة البحرين والسعودية” بأنهم دمية بيد إيران، وينتظرون الضوء الأخضر منها لكي يتحركوا نصرة للحوثيين بـ”اليمن” والعلويين بـ”سوريا”، وإعادة الصراع السياسي إلى المربع الأول، فيما ينزع طرف آخر نحو المثالية التامة، معتقداً أن الحوثيين لم يرتكبوا أية أخطاء سياسية، وأن التدخل العسكري لن يحقق أية مكاسب سياسية للشعب اليمني، بل يسعى لإقصاء واستئصال مكون يمني.

وفي الحقيقة، فإن تحول الخلاف من السياسي إلى الاجتماعي تقف وراءه سرديتان للأحداث من جانب قوى الموالاة والمعارضة في البحرين، ومن المفارقة أن كلاهما يقول إن أغلبية الشعب البحريني بنسبة 90 % يقف مع سرديته:

* السردية الأولى: تؤكد أن المشروع الإيراني في جوهره توسعي، وينطلق من أبعاد عقيدية مذهبية، تتعلق بالرغبة في الثأر من العرب والمسلمين الذين فتحوا إيران وأسقطوا الإمبراطورية الفارسية، قائلين إن هناك خطة خمسينية إيرانية تنفذها طهران بالتعاون مع قوى عربية ضد المنطقة العربية عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه التحديد، تهدف إلى إشعال الصراع الطائفي، والهيمنة الاقتصادية على المضايق البحرية، ويصاحب كل ذلك توسع إيدولوجي في منطقة القرن الإفريقي.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن العملية العسكرية “عاصفة الحزم” بعثت برسالة حازمة إلى إيران، بأنها ليست بالقوة التي توهم بها دول مجلس التعاون، ولابد من قطع أصابعها في اليمن بعد سوريا والعراق، والاعتماد على الذات، وتشكيل تحالف دولي سني بعيداً عن أي تحالفات مع القوى الغربية الكبرى.

* السردية الثانية: وقد انزوت لصالح صعود الأولى إعلامياً، نظراً لأن الأجواء الحالية تذكرنا بالأجواء السياسية والأمنية، بعد فرض حالة السلامة الوطنية عقب أحداث فبراير 2011م، وترتكز هذه السردية على عناصر محددة، هي: تبرئة إيران من أي مخططات تستهدف دول مجلس التعاون الخليجي، والتأكيد أن تدخلها هو لنصرة “المستضعفين”، وأن السعودية تنفذ مشروعاً أمريكياً عبر تشكيل تحالف سني ضد إيران، وترفض أنظمة حكم مستندة لإرادة شعبية.

ويؤكد أصحابها أن شيعة البحرين معرضون مثل غيرهم لأية أعمال انتقامية من تنظيم داعش، أو أي هجوم إيراني محتمل على دول مجلس التعاون، متوقعين ألا تنخرط إيران في صراع مباشر مع السعودية، لأنها مشغولة بالاتفاق النووي، فضلاً عن أنها رابحة في الحالتين: استمرار العملية العسكرية أو توقفها!، لأن الرياض تتحمل تكاليفًا اقتصادية كبيرة للعملية، وستضطر في النهاية للبحث عن تسوية سياسية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: