مقال | مفهوم الوطن بين الطأفنة والتمييع

بقلم راشد الجاسم

مقدمة

مرت على البحرين  خلال الستين سنة الماضية حقبتين  قومية (وطنية) ودينية، كانت الحقبة الوطنية تنبثق من الحركات القومية حيث قادت المشهد السياسي، ونجحت من خلق انسجام بين المكونات الوطنية وتمكنت من بناء جسور الثقة بين هذه المكونات الى أن اتحدت في هيئة الاتحاد الوطني التي جمعت رجال الدين وقوميين من ابناء الطائفتين الكريمتين، ومن خلالها توحدت المطالب والصيغة المواطنة المبنية على الحقوق والواجبات لا على الهبات والعطايا والمكرمات، وكانت المواقف والبيانات شفافة وصارمة تجاه أي محاولة لايقاد الفتنة الطائفية وكانوا يجتمعون في المسجد والمأتم وفي الساحات المفتوحة والمغلقة فأحيوا تضامنا مجتمعيا غير قابل للتجزءة الطائفية والمناطقية، ولم يسمح قيادات هيئة الاتحاد الوطني لأدنى تدخل أجنبي ليس على البحرين فحسب بل حتى على مستوى الأمة العربية باعتباره الأمة العربية وطنا واحدا لا يتجزأ، فلم يسلم سلوين لويد وزير الخارجية البريطاني عند زيارته الى البحرين في مارس عام 1956م حيث استقبله المواطنين بالحجارة بسبب قرارت بريطانيا المشينة تجاه قضايا الأمة العربية، وعند المساس بسيادة البحرين وعلى سبيل المثال المطالبات الايرانية  بالبحرين تسمع الردود الفعل الغاضبة لأي تصريح ايراني يطالب بالبحرين، فردود الفعل الموحدة عززت من خلالها اللحمة والوحدة الوطنية.

وبعد التحولات الاقليمية وأبرزها الثورة الايرانية، أصبحت تيارات الاسلام السياسي تسيطر على المشهد السياسي، وتفائل الناس بهذه السيطرة للمكانة الرفيعة لرجال الدين ولثقتهم الكبيرة بهم ولكن ما هي المحصلة؟

كانت المحصلة هي اختلاف يصل الى حد التصادم في المواقف السياسية الداخلية والخارجية، فالتفاعل بقضايا الأمة المختلفة باستثناء القضية فلسطين، تحددها الائنتمائات الطائفية، وخطاباتهم الشعبية اقرب الى أن تكون مناكفات طائفية عنها عن تلك التي تعزز الوحدة الوطنية، وتصل الى حد التراشق في الاتهمات، مما قضى على جل المشتركات التي بنتها الحقبة السابقة، وبالتأكيد دون إغفال دور الاعلام الرسمي او الرديف، فالتوافق الوطني في الميثاق، وبالرغم من نسبته العالية في التصويت والتوافق عليه  كان شكليا، والدليل بأن كل فريق يحاول أن يجير بنود الميثاق للتمكين الطائفي وتحويل بنود التوافق إلى بنود تخدم الطائفة أو الجماعة لا الوطن.

وأصبح مفهوم الحقوق ومركزية القرارات السياسية يتحكم بها فريقين دينيين وذلك بالرغم من وجود تيارات دينية ووطنية أخرى لكنها تعد من الأقليات الفكرية الغير مؤثرة زمننا، فيمكن تصنيف مركزية القرارات السياسية بحسب أدبياتهم بأنها تنقسم الى قسمين الأول للمرجعية الدينية والثاني لأولي الأمر، ومفهوم أولي الأمر ميع لدرجة أصبح عند بعضهم بأن الوزير في وزارته يعد بمنزلة ولي الأمر ولتبرير نظرية “أولي الأمر” فأتبعوها بما يسمى “بأهل الحل والعقد” والتي أقتصروها بمعايير لا تنطبق الا عليهم، مما أدى الى أن الميثاق وهو الوثيقة الشعبية التي تحدد الحقوق والواجبات وشكل الدولة، لا ينظر إليه كمرجع رئيسي في حال الإختلافات لأنهم ينظرون لأنفسهم بأنهم هم المرجع الذي توافقت عليه الارادة الشعبية، سواء اكان هؤلاء من المرجعيات الدينبة الدينية أو من أهل الحل والعقد.

فأصبحت المرجعية الدينية هي مصدر الاجماع في الطائفة الشيعية ووفق عمل ممنهج بدأوا بالتنظير لمظلومية الطائفة مدة طويلة من الزمن لارسال اشارات في الداخل والخارج بأن المظلومية تقتصر على فئة واحدة من الشعب، ومن بعدها بدأوا يبررون لأنفسهم الدفاع عن الطائفة دون غيرها ومن ثم أستبسلوا بالمطالبة بحق الطائفة المظلومة وان زخفرت تلك الشعارات بأجمل الزخارف، وأما عن الأنتخبات فهي تقتصر لديهم بقائمة ايمانية تصدر عبر فتوى دينية ذات مواصفات طائفية.

ومن الجانب الآخر هناك من نصب نفسه كأهلا للحل والعقد بمبدأ ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين )  كأحد أهم الشعارات الانتخابية، فالصورة الانتخابية مع آية الكريمة أو حديث نبوي شريف، توحي والعياذ بالله بأنه هو التي تنطبق عليه الآية أو الحديث دون خيره، وأما عن طريقة المطالبة بالحقوق لدى غالبيتهم هي تنتهج بنهج النصح بالسر  باعتبارها الآلية الاصلاحية الأبرز دينيا، وهم وحدهم الذين يسدون النصح لأولي الأمر دون غيرهم، كونهم نصبوا أنفسهم كأهل للحل والعقد وعدم جواز غيرها من الآليات لأن أغلبها يحتوي على شبهة تقليد الغرب وهو غير جائز بنظرهم وحتى وان جوزها الميثاق.

ففي نهاية الأمر فأنهم أجمعوا على شيء واحد، وهو بتكييف الميثاق بحسب أهوائهم ولمصلحة توجهاتهم وأي صوت مختلف عنهم يعتبر عنصر فتنة وخارج عن الاجماع.

في النهاية تأصل ذلك الفشل وخصوصا في مجلس 2006 الذي كان مجلسا للمناكفات الطائفية، ومن المواقف المخجلة والمشينة والتي تعكس الصورة السابقة عندما قرر أحد الفريقين أستجواب الوزير أحمد بن عطية الله،  وأدى ذلك تلقائيا لمعارضة الاستجواب من قبل الفريق الآخر بسبب الإنتماء الطائفي، فما ان تمسك الفريق الأول بالاستجواب الوزير فقامت الطائفة الأخرى بعمل استجواب للوزير منصور بن رجب كردة فعل فكانت المحصلة مقايضة طائفية وانتهى الاستجوابان!!! وهذ المشهد يعكس جليا ما يصفه الدكتور علي الوردي في كتابه بمهزلة العقل البشري.

اذا نجحت تلك التيارات الفكرية بتمييع أو طأفنة مفهوم الوطن والمواطنة بحسب أهواء القيادة المركزية للطائفتين والتي تصب عادة في خدمة الطائفة أو الجماعة، وظهور مصطلحين بارزين وهم (أحرار وعبيد) و (شرفاء وخونة)، فالحر لديهم من يحذو بحذوهم ولمشروعهم الفئوي، والشريف لدى الآخر هو الذي يحارب الخونة دون أن يطالب بالاصلاح لأنه لم يحن وقتة بسبب وجود مؤامرة مزمنة، ونظرا للبس الحاصل لدى شريحة من المجتمع لمفهوم الوطن والدولة والحكومة والمواطنة والعادات والتقاليد، أرتأيت بأنه يتوجب التوضيح لازالةجزء من اللبس الحاصل.

 أولا: بأن الوطن يقدم على الدولة، فالوطن هو أرض الجميع والبيت الكبير الذي يحتوي جميع أهالي الوطن على أساس المساواة، دون النظر لمناصبهم في ميدان العمل أو إلى رمزيتهم دينية أو مكانتهم الاجتماعية .

ثانيا: أن الدولة تقدم على الحكومة، لأنها هي الصيغة التي اختارها الشعب، وتتغير بارادة الشعب، فكانت البحرين في السابق دولة  وأصبحت اليوم مملكة بارادة الشعب، فالدولة هي الاطار الذي ينظم الشأن الوطني، فبعد الميثاق وهي الوثيقة الشعبية التي من خلالها يسن الدستور الذي يوضح شكل الحكومة والمؤسسات التشريعية والقوانين المنظمة للمجتمع والعلاقات الخارجية للدولة، والعضويات في المنظمات الدولية، والمشاركة في الاتفاقيات الدولية ولكن يشترط عدم مخالفتها مع مواد الدستور.

ثالثا: الوطنية هي السلوك أو الشعور الايجابي الذي يقدم المصلحة الوطنية على الفئوية أو الطائفية أو العرقية، وأهم معاييرها هي الانتماء والإخلاص للوطن.

رابعا: أن المواطنة هي الانتماء للوطن الواحد وان للمواطن حقوق والواجبات غير قابلة لأي تمييع حزبي، بل تنظم عبر العقد الاجتماعي الذي يساوي المواطنين كافة أمام القانون دون تمييز بسبب مكانة اجتماعية أو سلطوية.

خامسا: أن الحكومة هي السلطة التنفيذية، وبقاء أو رحيل أي فرد فيها مرهون بمدى الوفاء بتنفيذ البرنامج الحكومي المتوافق عليه من السلطة التشريعة النابعة من إرادة الشعب دونما تزوير لتلك الارادة، ومرتهن أيضا بمعيار الكفاءة والأمانة.

سادسا: بأن العادات والتقاليد لا تقدم على المبادئ والقيم، فبإمكان المجتمع أن يلغي بعض العادات والتقاليد التي تتنافى مع المبادئ والقيم ولكن العكس غير صحيح، فمثال عليها بأن العادات التي ترجح ترشيح شخص لمجلس النواب ليس بحسب معيار الكفاءة، بل من أجل مكانته الدينية والاجتماعية وصلة القرابة أو النسب، هي عادات موجودة في يومنا هذا ولكنها عادات وتقاليد لا تتوافق مع المبادئ والقيم، فالأجدر الاستغناء عنها تعزيزا للمبادئ والقيم.

ختاما أن الدين لله والوطن للجميع، فلا يمكن لأحد الغاء الآخر، فإلغاء الآخر سيؤدي لصدام أهلي خطير وسيكون مصيره الحتمي هوالإحتراب الطائفي، وضحاياه لن تقتصر على جيلنا الحالي بل ستمتد ناره إلى الأجيال القادمة.

 

One comment

  1. قام بإعادة تدوين هذه على مدونة راشد الجاسم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: