دعوات للتهدئة ولمبادرة سياسية تحتوي الأزمة الحالية

طالبت فعاليات وطنية بمبادرة سياسية لاحتواء الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد، على أن يتزامن ذلك بوقف أعمال العنف الحالية من جميع الأطراف.

وأكدت الفعاليات الوطنية، خلال المناقشات التي دارت في المنتدى الذي استضافته «الوسط»، أن استمرار الدعوات لتصعيد الأعمال الاحتجاجية في البلاد ضمن ما سُمي بـ «تمرد 14 أغسطس»، والتعاطي الرسمي المرتقب، من شأنه خلق المزيد من التأزيم في البلاد.

شارك في المنتدى الباحث الاقتصادي محمد الكويتي، والناشط الحقوقي عبدالنبي العكري، والناشط السياسي شوقي العلوي، وقيادي في ائتلاف شباب الفاتح بدر الهاجري.

وفيما يأتي النقاشات التي دارت في المنتدى:

كيف تقيمون الوضع الذي تمر به البلاد، على أعتاب الدعوة إلى ما عُرف بـ«تمرد 14 أغسطس»؟

– شوقي العلوي: الأزمة ليست وليدة حدث الدعوة إلى ما يسمى بـ«تمرد 14 أغسطس»، وإنما تمتد في عمقها إلى عقود، فحين جاء المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، تفاءل الشعب البحريني بالخير، لكن المشروع لم يكن يسير وفق النهج الذي كان الكل يتمنى السير فيه، وجابهته عدة صعوبات، وبالتالي استمرت الأزمة من دون إعطاء حلول جذرية وواقعية تناسب الوطن والإقليم والعالم. واستمرار العثرات والمعالجة الخاطئة أوصلنا إلى المرحلة التي نعيشها اليوم، والتعاطي مع الدعوة لـ14 أغسطس، سواء من قبل السلطة أو القوى السياسية لم يأتِ بحلول، لأن كلا الطرفين يتجهان إلى الأساليب السطحية. والسلطة نفسها لا تتجه إلى وضع الحلول التي من شأنها أن تعطي أملاً وأفقاً بتحسين الأوضاع من خلال عزل كل طرف متطرف، فاليوم لا يقتصر التطرف على ما يحدث في الشارع، وإنما هناك تطرف آخر يقابله، والمطلوب من السلطة والقوى السياسية أن تتفق على عزل الأطراف المتطرفة، وذلك من خلال برامج موحدة بين السلطة والقوى السياسية.

– عبدالنبي العكري: الوضع خطير ومن الممكن أن ينزلق إلى أمر أخطر، لأنه يبدو أن هناك قراراً من السلطة بوضع حد نهائي للاحتجاجات كافة، وبهجمة أمنية واضحة أقرب ما تكون إلى حالة الطوارئ، بما في ذلك خلق حالة حصار لبعض المناطق، وهناك تشريعات يستند إليها على أن المجلس الوطني أقرها نيابة عن الشعب، لكنه في واقع الأمر أُوحي إليه أن يقر هذه التشريعات، وفوض سلطاته إلى مجلس الوزراء واستند إلى هذه المعطيات بالتصرف بالمطلق، على طريقة أن من ليس معنا فهو ضدنا.

وهذا الوضع أدى إلى مزيد من القمع ومصادرة الحريات وانتهاكات حقوق المواطن والمقيم، وتعميق الانقسام وتجريم المعارضة والاحتجاجات، ومن لديه رأي مستقل يتم اعتباره عميلاً وخائناً ومتآمراً، وهذا ضرب للعمل السياسي السلمي، وتجريم المعارضة الشرعية المعتدلة يعطي مؤشراً على غلق الباب أمام أي مخرج سياسي، ويبني بيئة متطرفة، وخصوصاً في ظل التحريض المستمر.

فمن الواضح أن هناك نفياً للآخر وتصويره كأنه شيطان، والحط من قيمة القيادات السياسية والمعتقدات الدينية، وهذا لا شك يؤدي إلى الانقسام وتعميق الطائفية.

– محمد الكويتي: الأزمة ليست وليدة حدث معين، فالبحرين مرت منذ السبعينات في درجات متفاوتة من الشد والجذب، لكن في الفترة التي أعلن فيها العاهل مشروعه الإصلاحي، هدأت الأمور بشكل كبير، ومن ثم عادت من جديد بوتيرة خفيفة، لكن المشكلة أن القوى السياسية لا تنظر إلى البلد باعتباره مكوناً من أطراف مختلفة. والمشكلة حين يتم تصعيد المطالب، والتي قد لا تتناسب مع المحيط الذي نحن فيه، فتبدأ الشكوك وعدم الثقة بين الأطراف، وللأسف أن اليوم العالم متشابك وأصبح قرية صغيرة وكتلة واحدة، وهو ما خلق لدول أخرى مصالح في المنطقة، وهذا يؤثر في المشهد الداخلي سلبا وإيجابا، ويعطي صورة تحتاج إلى معالجة بحكمة، ولكن الحكمة ضائعة في ظل ما نعانيه من التشدد والتصعيد.

ونأمل أن ينظر الجميع إلى البلد على أساس كونه بلداً صغيراً لا يحتمل ما يمر به من أزمة، ومكوناً من عدة مكونات وكل واحد له مصالح، والعمل على المصالح المشتركة الكثيرة يمكن أن يخفف الأزمة، لكن التصعيد والعنف خطر ومضر بالمطالب السياسية التي طرحت، وما أضر بالمطالب الأساسية هو التصعيد والوصول إلى درجة من العنف التي بعثت الخوف في المجتمع.

وبالتالي فإن الدعوة إلى الاحتجاج في 14 أغسطس قد لا تكون موفقة، وخصوصاً في هذه الفترة، إذ المطلوب التخفيف من التأزيم بدلاً من التصعيد بعمليات أتت بإجراءات معاكسة.

ما الذي تقصده بالإجراءات المعاكسة؟

– الكويتي: ما أعنيه أن اللجوء إلى العنف، يدفع السلطة إلى التشديد في إجراءاتها، وهو ما حدث أخيراً حين أقر البرلمان تشديد العقوبات لحماية المجتمع من الأعمال الإرهابية، وهي كلها إجراءات وقائية قد تبقى لما بعد تجاوز هذه المرحلة، وبالتالي، فإن ذلك يعني الإضرار بالعملية الديمقراطية والآخرين، من دون أن يتم تحقيق شيء من خلال العنف.

– بدر الهاجري: ما نتوقعه أن حراك 14 أغسطس لن يتجاوز ساعات في اليوم الواحد ولن يستمر، وحديث الناس عن توقعاتهم بشأن ما سيحدث في 14 أغسطس، أعاد إلي الذاكرة لما حدث في 14 فبراير 2011، وكيف انشق المجتمع طائفيّاً، وعلى رغم محاولات سابقة لتفريق الشمل بين الطوائف في البحرين، فإن إرادة الشعب كانت أقوى من هذه المحاولات، وعلى رغم من تعاطف معظم من وقفوا في الفاتح في البداية تضامناً مع مطالب 14 فبراير، غير أن انحراف البوصلة وتكشف المسارات الحقيقية وظهور خفايا الشعارات ومطلب إسقاط النظام وانسياق الجمعيات عن الخيار المطروح تحت قيادة متطرف يطرح المجهول في شعار الجمهورية، حرك الطرف الآخر في الوطن للتصدي لهذا الشعار، ما عزز أجواء الشحن الطائفي في مناخ سياسي غير سليم.

وهاهي الجمعيات الخمس بدأت بمباركة هذا الحوار، مشترطين السلمية ديكوراً، على رغم أنهم يعلمون مسبقاً أن هذا الحراك لا يختلف عن تطرفه السابق، إلا بإعلان أسماء من يقفون خلفه، وهم ثماني شخصيات كتبوا أسماءهم في البيان الأول لحركة تمرد، ومعظهم شباب يعيشون في الخارج، ويعملون كنشطاء وحقوقيين، ويطرحون آراء لا تختلف عن أطروحات حركة أحرار البحرين.

وهذا الحراك وقع في أخطاء مشابهة لما وقعت فيه حركة 14 فبراير، من شعارات مرفوضة غير مدروسة تم العمل على تصحيحها لاحقاً، ويستطيع المتابع للوضع السياسي البحريني أن يفهم مطالب هذا الحراك.

واليوم تم تنقيح بيانات القائمين على هذا الحراك، ليأخذ صيغة شرعية أكثر من قبل الجمعيات السياسية.

وكل ما ذكرته عن الحراك، لا ينبغي أن ينسينا أن الإصلاح والتصدي للفساد هو حائط الصد الأول لحماية أي بلد من التدخلات الخارجية والاستقرار السياسي، وغيابه يعزز من وجود الفتن في أي بلد.

كما أن النظام السياسي لم يعِ أي درس من الأزمة السياسية، فمازال الفساد ينادي هل من مزيد، والمبادرات الإصلاحية تنادي هل من مريد، والحال من سيئ إلى أسوأ، والمتضرر المباشر من الأزمة هم الأطفال ورجال الأمن.

– العلوي: من الخطأ الجسيم أن نلبس الجمعيات السياسية المصرح لها بالعمل الشرعي بحركة مثل حركة «تمرد»، ولا أعتقد أن هناك أية علاقة بين الطرفين، لكننا نعيب على الجمعيات عدم إعلانها موقفاً صريحاً وواضحاً ورافضاً تماماً لهذا الحراك، أما أن نلبسها ونتهمها بأنها تبنت حركة تمرد، فإننا نضع حاجزاً بين السلطة وبينها لأي حوار.

وللأسف أن يتم تضخيم المسائل في إطار تغريدات تُنشر على تويتر، فهناك من يعيش في لندن وحين يتم حرق إطار في البحرين يسارع لنشر عبارات من قبيل «البحرين في قبضة الثوار»، وهذا ليس توجه الجمعيات، وعلينا ألا نلبس الجمعيات تحركات من هذا القبيل.

– الهاجري:… السكوت هو غطاء سياسي

– الكويتي: ليس لدينا أي مستمسك على الجمعيات السياسية بأنها تقف وراء دعوات تمرد، لكننا نطالبها برفضه، واعتباره حركة تصعيدية لن تؤدي إلى معالجة الأزمة، وإنما ستؤدي إلى استفحالها، والأهم هو التوتر الطائفي في المجتمع الذي تغذيه مثل هذه التحركات، فأي تطرف أو تصعيد سيعمق الخلاف والانقسام في المجتمع، وعلى الجمعيات أن تعلن موقفاً صريحاً رافضاً لهذا النوع من الحراك، مع التركيز على التوافقات وحل الأزمة والمشاركات في المجتمع.

– الهاجري: الجمعيات قالت إنها تدعم أي حراك سلمي، وهذا ما حدث في 14 فبراير، وتمرد ليست جماعة مختلفة، وإنما حراك عام، وقلت إن الجمعيات قد تعطي غطاءً لهذا التحرك.

– العلوي: هناك تفاوت في التقييم، والجمعيات تؤكد أن حراكها سلمي، والجمعيات بالفعل غير مشاركة في حركة تمرد ولا تحبذها، لكن في المقابل إجراءات السلطة لا تدفع الجمعيات باتجاه خطوات إيجابية.

وعلى السُّلطة أن ترشد إجراءاتها، ويجب عليها ألا تندفع هذه الاندفاعة، وأعتقد أن اندفاعاتها حتى في مراسيم القوانين الجديدة غير موفقة، ونحن عشنا لعقود في قوانين أمن الدولة، حتى استطعنا أن ننساها، ولا نريد أن نعيش أجواءها من جديد.

الشارع البحريني استلهم حركة تمرد من مصر، والسلطة استلهمت حركة السيسي في الحصول على تفويض لمحاربة الإرهاب، على رغم أن السلطة غير محتاجة إلى هذه القوانين، وإنما نحن بحاجة إلى الدخول في حوار صادق وجاد، وعلى السلطة أن تلجأ للشخصيات خارج الجمعيات السياسية غير المتسلقة وغير المنافقة، وتأتي بها لطاولة الحوار الوطني لا تبحث عن مصفق لها.

هل هذا يعني أنك ترفض تحميل الجمعيات السياسية مسئولية الدعوة إلى احتجاجات 14 أغسطس؟

– العلوي: أحملها في جزئية واحدة، وأبلغت بعض الجمعيات برأيي هذا في وقت سابق، حين قلت إن موضوع التمرد في 14 أغسطس، فرصة للجمعيات لخلع ثوب يلبسهم الآخرون إياه، ويأخذونه مستمسكاً عليهم.

– العكري: الجمعيات أعلنت موقفها في وقت سابق برفض العنف والتأكيد على الخيار السلمي، ورفض الحل الأمني. وفي رأيي أن البلاد تمر بمفصل مهم، وأنه يجب أن تكون هناك إجراءات متزامنة بين السلطة والمعارضة. وأن يكون مقابل إيقاف الهجمة الأمنية والسياسية والإعلامية، أن تتجه الجمعيات نحو التهدئة، وأن يكون ذلك متزامناً ومتبادلاً، وتهيئة الأجواء لتغيير مسارها مثلما حدث في العام 2000، بمعنى تهدئة الساحة وخلق أجواء مناسبة بإطلاق سراح المعتقلين وإيقاف الحرمان من الجنسية، مقابل أن تأخذ القوى السياسية على عاتقها تهدئة الأوضاع وضبط الشارع، وإن كان ذلك لا يعني تقييد الاحتجاجات السلمية، والدخول في مفاوضات جدية بين القوى المجتمعية والسلطة.

ماذا لو كان الحراك وراء دعوة 14 أغسطس سلميّاً، فهل ستدعمونه؟

– الهاجري: القائمون على هذا الحراك يدعون أنهم حملة تمرد، والحملة ليست لها مطالب سياسية، وإنما هي دعوة لتوحيد الصفوف، ولكن ما هو المقصود من توحيد الصفوف؟، كما أن كل الخطوات مجهولة، ولا يمكننا الدخول في حراك مجهول.

– الكويتي: بشكل عام أعتقد أن الوضع المتأزم لا يحتمل أي نوع من الحراك الذي يمكن أن يؤخرنا أكثر مما يقدمنا، والحل يجب أن يكون من جهتين، إما مبادرة من جلالة الملك تكون في مستوى ما حدث في العام 2000 وتتقدم فيه التجربة الديمقراطية، والخيار الآخر، أن تتفق الجمعيات السياسية في حد أدنى من المطالب التي فيها الكثير من المشتركات، وتقدم هذه الرؤية بغرض السير خطوة إلى الأمام نحو التجربة الديمقراطية، وما لا تتفق عليه يمكن أن يؤجل إلى مرحلة أخرى.

والوضع يحتاج إلى تفهم لمواقف الآخرين، فالرفض والتأزيم والتصعيد، يصب في اتجاه عدم التوصل إلى حل، ومن مصلحة البلد التوصل إلى حل، لأن الكل متضرر.

كيف تقيِّمون التعاطي الرسمي الاستباقي مع الاحتجاجات المتوقعة في 14 أغسطس؟

– العلوي: مظاهر الدعوة إلى الاحتجاجات موجودة بشكل يومي، وقد تتصاعد لساعات في 14 أغسطس، سواء بالممارسات الروتينية التي نراها في الشارع يوميّاً أو حتى من خلال الخطابات التي تنشر وغير مستساغة ويتم تحميل قطاعات واسعة في المجتمع مسئوليتها، فلماذا لأني أنتمى إلى طائفة معينة في البلد أتحمل مسئولية شعارات يطلقها البعض؟، كما أن عملية العقاب الجماعي يشق المجتمع نصفين، فيجب حصر هذه المجموعات وعزلها.

وعلى الدولة ألا تتجه إلى التصعيد تجاه قوى المجتمع بأكمله بحجة أن فئة قليلة تصعد من تطرفها؛ لأن ذلك يصعد قاعدة التطرف في المجتمع.

– الكويتي: الخطوة الاستباقية التي اتخذتها الحكومة مفهومة، لكننا لا نأمل أن تستمر هذه المراسيم، والمجلس المقبل يمكن أن يصادق عليها أو يرفضها بناء على ما يستجد من تطورات. لكن التمادي في تطبيق القوانين يمكن أن يوقع بأبرياء ضحية لهذه القوانين، على رغم كونهم مجرد مشتبه بهم، لذلك أعتقد أن التطبيق يجب أن يكون حذراً جدّاً لكي لا يتضرر الآخرون، وتتوسع دائرة عدم الرضا والضيق واليأس.

وعلى الحكومة أن تبحث عن حل، وهناك فئات في المجتمع تحاول إيجاد حلول وأرضيات مشتركة بين مختلف الأطراف، لكن للأسف لا أحد استغل هذه الفئة التي كان يمكن أن تقدم حلولاً وسط ومنتجة وفي الاتجاه الصحيح.

– العكري: الإجراءات التي اتخذتها الحكومة باطلة دستوريّاً ولا تتفق مع المواثيق الدولية التي صادقت عليها البلاد، لذلك فمن المتوقع ألا تتوقف الاحتجاجات.

وعنف السلطة سيغذي الاحتجاجات العنيفة، والأعمال العنيفة تعطي مبرراً للسلطة لتصعيد الإجراءات القمعية والاقتحامات والاعتقالات، ومنع المواطنين من الرجوع إلى وطنهم، وهذا عودة إلى سياسة التسعينات، وهو أمر خطير.

ومن الواضح أن هناك من يستغل انشغال العالم بتطورات الأحداث في مصر وسورية، وهذه حسابات خاطئة، إذ لا يمكن إيقاف حركة التاريخ التي تسير الآن نحو تغييرات لا سابق لها وغير ايديولوجية، وهذا هو المفهوم الجديد للديمقراطية.

الهاجري: نحن قلقون من أن تمس التوصيات الصادرة عن البرلمان لمحاربة الإرهاب حرية الرأي والتعبير، والمشكلة تكمن في أن العنف يعطي مبررات للسلطة لتصرفات نكرهها لكنها واقع.

وربما هنا أود الإشارة إلى أن تفجير الرفاع كان محل إدانة من قبل كل الجمعيات والأطراف السياسية، ومثل هذا الأمر يلطف الأجواء السياسية ويخلق روح المحبة، وهو أمر كنا ننتظره منذ مدة، فجمعيات المعارضة لم تصدر بياناً يدين العنف إلا بعد نحو عامين منذ بدئه، ولو كانت الجمعيات أصدرت منذ البداية بيانات إدانة العنف، لربما تغيرت آلية سير الأمور، حتى وإن كانت أعمال العنف من جهات غير محسوبة على جمعيات سياسية.

…لكن بيان الوفاق في أعقاب «تفجير الرفاع» كان محل انتقاد من جهات محسوبة على الجانب الرسمي؟

– الهاجري: للأسف، أن وعي بعض الناشطين على تويتر متأخر، وبعض ما يتم تداوله في مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الإطار لا يجب الأخذ به، لكن في الإجمال الادانات مطلوبة.

– العلوي: من الواضح أن السلطة أو القوى السياسية وحتى نحن كأفراد نعيش باستمرار في الجزئيات. البلد فيها أزمة عميقة، وإذا لم نجد حلاًّ لها سنظل نعيش في الجزئيات البسيطة بشكل يومي، بينما المسائل الأساسية المتسببة في أزمات في البلد وتسبب أزمة عميقة تظل من دون حل.

والحوار على سبيل المثال، وعلى رغم أنه يحمل عناوين فشله، فإن الكل مصرٌّ على المضي فيه حتى لا يتهم بأنه عطل الحوار.

ما هي نسبة تعويلكم على ما قد يتمخض عن الحوار في ظل المعطيات الحالية؟

– العلوي: الحوار من دون جدول أعمال، وأطراف الأزمة معروفة، وكان من المفترض قبل الدخول في الطاولة وتبادل الاتهامات، جلوس الأطراف المعنية مع بعضها بعضاً، فالحوار يحتاج إلى تمهيد.

وفي تجربتنا في الحركة الطلابية، على سبيل المثال، عقدنا عدة اجتماعات فاشلة، ولولا أننا كحركة طلابية جلسنا خارج إطار المؤتمر لما خرجنا بمؤتمر ناجح. والأمر نفسه يجب أن يحدث مع الأطراف المشاركة في الحوار.

– الكويتي: من المفيد أن تجلس الأطراف المعنية وتتكلم مع بعضها بعضاً، لكن السؤال: هل سينتج حل؟، فأنا لست متفائل بأن ينتُج حل من الحوار، وإنما الحل يمكن أن يتم إما عبر مبادرة من السُّلطة أو توافق بين الجمعيات، لكن بالشكل الحالي للحوار الذي تشوبه رسميات كثيرة ومحاذير تضع نوعاً من الحواجز، والأمل أن تصل الجمعيات إلى الوضع الذي يمكن تحدد فيه الحد الأدنى من المشتركات التي يمكن أن تتقدم بها ويكون هناك نوع من التوافق.

– العكري: الحوار في ظل المعطيات الحالية لن يؤدي إلى حلول جدية، لأن الحكم يجب أن يدخل في المفاوضات، وفي وجهة نظري هناك حاجة إلى أن يشهر المستقلون الوطنيون موقفاً وطنيّاً يعلن فيه أن الوطن في خطر، وأنه يجب إيقاف هذا الانحدار، وأن يلقى هذا التحرك مساندة من الجمعيات لدعم هذه المبادرة. وأن تكون هذه المبادرة ذات شقين، إعلامي معلن للجمهور، وعملي بالتحرك نحو الأطراف الفاعلة للحكم والقوى السياسية الفاعلة.

– الهاجري: إذا ظهر للعلن أن حراك 14 أغسطس، هو حراك عنف، فهل ستستنكر الجمعيات هذا الحراك؟

– العكري: هذا السؤال يجب أن يوجه إلى الجمعيات، لكن رأيي الخاص يقول إن هناك عنفين على الساحة، عنف السلطة وهو الأقوى، والعنف الذي يجرى في الساحة.

– الهاجري: وهل ستستنكر العنف من الطرفين؟

– العكري: من دون انتظار ما سيحدث في 14 أغسطس، فأنا أستنكر العنف الأكبر وهو عنف الدولة، وأستنكر رد الفعل العنيف. ولذلك نطلب مبادرة من الشخصيات الوطنية لإشهار موقف وطني، وسيكون من الجيد لو كان ذلك قبل 14 أغسطس.

– العلوي: نحن مسلمون أن السلطة تمارس عنفاً غير مبرر، لكن لا يجب أن نسمح بثغرة في البيت الداخلي، وأنا هنا أعني الجمعيات السياسية، وأية حركة في الشارع تضر البيت الداخلي، يجب على الجمعيات ألا تسمح بها.

– الكويتي: لكن هل تملك الجمعيات السياسية قدرة على فرض تهدئة في الشارع؟، وإذا كانت لديها هذه القدرة، فما الذي يمنعها من القيام بذلك؟، وخصوصاً أن التأزيم هو من أسباب تأخر الحلول.

– العكري: لا شك أن الجمعيات لديها نفوذ معنوي، لكنه سيكون فعالاً إذا كانت هناك أجواء مناسبة، والدليل على ذلك أنه في التسعينات، حين كانت هناك انفراجة وإجراءات قامت بها الدولة على الأرض، تجاوبت المعارضة معها، وحتى المترددون في التصويت على ميثاق العمل الوطني، فإنه حين خلقت أجواء التهدئة، تغيرت المعطيات وبادرت المعارضة لتأييد الميثاق، فإذا كانت هناك إجراءات فعلية من قبل السلطة لإيقاف هجمتها الأمنية والإعلامية والسياسية، سيكون هناك تجاوب من قبل الشارع.

كيف تعلقون على الدعوات لفرض حالة السلامة الوطنية في البلاد بالتزامن مع الدعوة لاحتجاجات 14 أغسطس؟

– الكويتي: لا شك أنها ستكون أحد الخيارات المطروحة لدى السلطة فيما لو تطورت الأحداث إلى حد يستدعي الأمر، لكني لا أعتقد أن الحراك المرتقب سيكون بالكثافة والزخم ذاتيهما اللذين شهدتهما البلاد في العام 2011، وفي نهاية الأمر فإن الأحداث هي التي ستحكم ما إذا سيتم تطبيق هذه الخطوة أم لا.

ما هو تصوركم للمبادرة التي تدعون السلطة إلى تقديمها لاحتواء الأزمة التي تمرُّ بها البلاد؟.

– الكويتي: نحتاج إلى نوع من المشاركة السياسية التي تتجاوز الفترة الحالية، ونوع من الآليات التي تحد من الفساد، والإجراءات التي من شأنها تقوية المجتمع وتقوية عناصر المساءلة والمراقبة في الدولة، واستقلالية الإعلام. وبهذه الأمور تتقدم العملية الديمقراطية.

كما أن الملف الاقتصادي لا يخضع للمساءلة الحقيقية والتقييم الحقيقي الذي يضمن أن تكون هناك مساءلة، فيجب أن تتم تقوية عنصر المساءلة في الدولة، وقضية الثروة وإدارتها تحتاج إلى إعادة نظر فيها واتجاه نحو دمقرطتها أكثر.

– الهاجري: أستبعد أن تكون هناك مبادرة للسلطة على هذا الصعيد، وإنما سيتم الاكتفاء بنتائج الحوار. وأرى أن كل الأطراف، بما فيها النظام، مقدمة على إصلاحات، لكن الاختلاف بين كل الأطراف سيكون هو سقف هذه الإصلاحات. فالنظام سيفرض سقف الإصلاحات التي يريدها، والمعارضة تريد سقفاً أعلى منها، وجمعيات الفاتح للأسف لم تتضح جدية أطروحاتها حتى الآن.

وكشباب الفاتح لدينا رؤية لمشروع سياسي يمكن أن يشكل توافقاً بين جميع الأطراف، أو انطلاقة يمكن أن تبني عليها كل الأطراف في الحوار.

– العلوي: البرامج ليست غائبة عن كل الأطراف، فالجمعيات لديها وثيقة المنامة، والفاتح لديه مشروعه السياسي، وشباب الفاتح لديهم أطروحات إيجابية، وبالتالي فإن القواسم المشتركة موجودة، لكن المشكلة في عدم الثقة بين الأطراف المجتمعية، ودخلنا في ما هو أخطر من ذلك وهو الشق الطائفي.

حتى الدعوة إلى حركة تمرد ستتسبب بشق طائفي، في الوقت الذي يجب فيه أن نذهب إلى السلطة ببرنامج موحد.

وللأسف أن القوى السياسية تمثل طوائف، والنواب يمثلون طوائف، ولا يوجد من يمثل المواطن.

بعد أحداث فبراير 2011، كانت هناك عدة مبادرات أهلية لاحتواء الأزمة في البلاد، إلا أن غالبيتها لم تتمكن من تحقيق شيء على أرض الواقع، فما هي المبادرة التي تدعون إليها في هذه المرحلة لاحتواء الأزمة؟

– العكري: هناك مؤشرات إيجابية في هذا الموضوع، من خلال مبادرة مجموعة من الشخصيات الوطنية من خارج قيادات الجمعيات السياسية لإيقاف تدهور الوضع والرجوع عن حافة الهاوية بإجراءات متبادلة، وهذا يقتضي أن يجلس الطرفان مع بعضهما بعضاً، ولا أعتقد أنه أمر مستحيل أن يتم التوصل إلى توافق لتجنيب البلد المزيد من الانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي، وهذه الإجراءات المتبادلة كفيلة الرجوع إلى المفاوضات السياسية، للعودة إلى الوضع الطبيعي.

وهذه الإجراءات يجب أن تكون متبادلة، وأن تتم بأقصى سرعة، كما يجب عدم التلويح بالخيار العسكري، ويجب عدم مقارنة الأوضاع في مصر بالبحرين.

– الكويتي: الحراك يجب أن يكون من الجمعيات السياسية، عبر مبادرة أو توافقات، ويجب أن تكون سريعة. وليس لدي تفاؤل أن يحدث ذلك قبل 14 أغسطس، لكني أعتقد أن المبادرة يجب أن تكون من الجمعيات لتضع رؤية تجسد مشتركاتها وتتقدم بها للسلطة.

وتخفيف التأزيم والتوتر مطلوب في أي وقت، والآن الجمعيات السياسية حتى لو أبدت نوعاً من حسن النية في رفض مثل هذا الحراك يمكن أن يكون له تأثير إيجابي واضح على إمكانية التوافق بين الجمعيات.

– الهاجري: لينجح الحوار يجب أن تتوافر ثلاثة أمور تتمثل في جدية جمعيات الفاتح، وتنازل أطراف المعارضة عن بعض مطالباتها، وكذلك حيادية المستقلين. ولا أتوقع أن أي طرف قادر على تحقيق هذه الأمور، ولذلك لا أعتقد أن الحوار سينجح.

وكشباب الفاتح لدينا مشروع سياسي سنحاول أن نضغط من خلاله على أطراف الحوار ليشكل أرضية بين جميع الأطراف قابل للتفاوض، ويجب أن تكون هناك مبادرة من جميع الأطراف لحل الأزمة.

– العلوي: الحل موجود لدى السلطة، التي لديها عين واسعة ترى من خلالها كل الأطراف في المجتمع، وعليها أن تتجه إلى الجدية وتعطينا مشروعها، وباعتقادي أنها من خلال كل هذه التقاطعات يمكن أن تطرح مشروعها، أما الاتجاه الأمني وشق البلد فلن يجدي نفعاً وإنما سيعمق الأزمات.

– العكري: أتفق معك، لكن هذا الأمر يمكن تطبيقه إذا كانت البلد في وضع طبيعي، وفي الوقت الحالي كل الأطراف متشنجة، فالمعارضة تحاور، ووراءها الشارع الذي يعاني، ويجب أولا تطويع الأوضاع وأن يأتي كل طرف بمشروعه، والسُّلطة بعد ستة أشهر من بدء أعمال الحوار لم تقدم مشروعها بعد، وهذا يقتضي تغييراً في مسار استراتيجية الدولة، وما إذا كان يريد فعلاً إصلاح النظام أو العودة إلى الخلف. وشعب البحرين خرج من إطار الخوف، وهو لا يطلب المستحيل وإنما يطلب الإصلاح، وكلما تأخرت الأزمة سترتفع المطالب وسيرتفع ثمن الإصلاح.

– الهاجري: لكن هل ترى أن الاستفتاء على مخرجات الحوار مبرر لتعطيل مجرياته؟

– العكري: كل الدول تلجأ للاستفتاء على المشروعات الكبرى، والاستفتاء مبرر؛ لأنه لا يوجد إطار آخر للمسئولية، فالشرعية الوحيدة هي شرعية الشعب، وسبق أن كان هناك استفتاء على ميثاق العمل الوطني، والآن كل الخطوات التي اتخدتها السُّلطة استندت إلى تفويض الشعب لها عبر الميثاق.

– الهاجري: لكن ألا ترى أن الإصرار على الاستفتاء يعقد المسائل أكثر؟، وخصوصاً إذا توافقت طاولة الحوار على سقف منخفض من المطالب ورفضها الشعب؟

– العكري: التيار الأساسي في الشارع معتدل، ولو رُفض المشروع، ليعاد التفاوض.

– الهاجري: هنا سندخل في أزمة جديدة…

– العكري: جمهورية ايرلندا رفضت الاتحاد الأوروبي أثناء الاستفتاء، وتمت إعادة التفاوض عليه.

– الهاجري: من الواضح أن الحوار لن يتفق على أسقف ترضي الشعب.

– العكري: الاستفتاء سيفرض رأي الأغلبية، في العام 2001، هناك من عارض الاستفتاء، لكن ذلك لم يوقف المسيرة.

– العلوي: نحن بحاجة إلى حد أدنى من التوافق المجتمعي.

– العكري: هذه ليست المرة الأولى التي تنقسم فيها البحرين لتتحد، وهذا الانقسام مفتعل، وهناك منتفعون من هذا الانقسام في الاتجاهين، لكن إذا اتفقت القوى الفاعلة على مشروع وطني سيتم الالتفاف عليه كما حدث في العام 2000.

– الكويتي: المشكلة في قضية الانقسام المجتمعي، أن هناك من يرى أنه أمر مفتعل، وهذه أحد المفاهيم التي يجب أن تتغير؛ لأنه من السهل أن نقول إن الانقسام مفتعل ونبني على هذا الافتراض، لكن ما حدث هو خوف حقيقي، ساهم فيه التصعيد الذي حدث والمطالب والشعارات التي رفعت وبعض السلوكيات، والجمعيات تتحمل جزءاً كبيراً من هذا الانقسام، وهو استغل من جهات كثيرة، لكن هذا الشعور موجود ونراه. وبالتالي فإن هناك مسئولية على الجمعيات والمجتمع والسلطة في إيقاف الخوف والشحن الطائفي.

وإيقاف العنف في الشارع يجب أن يتم بشكل متوازٍ ومتزامن مع إصلاحات حقيقية تخرج البلد من الأزمة، والسلطة عليها أن تقدم مشروعاً وليس فقط رؤيتها للحوار وإنما مشروع متقدم يلبي نسبة كبيرة من المطالب ويعطي أملاً للمجتمع أن ما حدث ليس نهاية الطريق، والمسار الآخر يمكن أن تتقدم به الجمعيات السياسية بعد أن تصل إلى قناعة بأنها يجب أن تتفق فيما بينها على حل، وإذا تزامن هذا الأمر مع تخفيف العنف، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى نوع من الحل.

– العلوي: موضوع الانقسام جزء منه مفتعل، وهذا أمر طبيعي لاستفادة الخصم من التفتيت، لكني أرى أن هناك مسئولية على القوى السياسية في خلقه من خلال وجود التنظيمات السياسية المبنية على مكون طائفي. فعلى سبيل المثال، لو لم تنشأ جمعية الوفاق بمكون طائفي واحد، لما أدى ذلك لتأسيس جمعيتي المنبر الإسلامي والأصالة بمكونين طائفيين، وبالتالي فإن عدم وجود تيار وطني على الساحة يعطي مجالاً للطائفية.

– الهاجري: بالرجوع إلى حركة الخمسينات، ونشأة هيئة الاتحاد الوطني تم في ضوء أحداث فردية، ولكن الطائفية لم تكن موجودة مجتمعيّاً، بينما الحراك اليوم قاده رجال دين لأننا نمر بحقبة دينية.

– العكري: لنأخذ الواقع كما هو، وأنا أتفق على أن المرحلة ما بعد الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان أفرزت تياراً لم يكن في البحرين، ولو أتينا للبحرين، في التسعينات والتشكيلات السياسية موجودة، والإخوان المسلمين موجودون حتى وإن كانوا غير معلنين، وهم لم يأتوا من فراغ وإنما جاؤوا استنادا إلى تيار موجود، وفي البلدان التي فيها طوائف أو مذاهب لا يمكن أن يكون هناك تنظيم سياسي موحد. والتيار الديمقراطي فشل ويتحمل مسئولية فشله في عدم قدرته على تشكيل تنظيم موحد، وتفتت إلى مكوناته القديمة، ولكن لا يعني ذلك أن التنظيمات على أساس مذهبي طائفية، وهذه التنظيمات يجب أن تجمعها الانسانية والمواطنة. والحكم المطلق بأن التنظيمات المذهبية محكوم عليها بالفشل، أمر غير صحيح، لأنه يجب تجاوز هذه التنظيمات.

ولذلك، حان الوقت لأن يلتقي ائتلاف الفاتح مع المعارضة؛ لأن هناك قواسم مشتركة بين الطرفين وليتحملوا المسئولية الوطنية في الوصول إلى توافقات، وهو أمر غير مستحيل.

المصدر: صحيفة الوسط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: