أزمة اسلامية سياسية ! – أحمد الحربان

أحمد الحربان

هناك تقصير شديد من قبل الجمعيات السياسية الإسلامية في بيان القواعد التي ينبغي أن يبني عليها المسلم مواقفه السياسية في مختلف القضايا، كحرية الأفراد، ومناصحة ولاة الأمر، والأخذ على يد الفاسدين والمفسدين من المسئولين، ومشاركة المرأة، والمطالبة بالديمقراطية، واستخدام آلياتها، وصياغة القوانين، والمعاهدات والمواثيق التي توقعها الدولة مع مختلف الدول والمنظمات، إلى آخره من قضايا

ويمتد التقصير إلى التعريف بقواعد ومنهج الجمعيات أنفسها لعامة الناس، فعلى سبيل المثال، هناك الكثير من المناصرين لجمعية الأصالة الإسلامية، لا يعرفون حتى الآن، ما هو منهجها السياسي، وما هي أهدافها ورؤيتها، وما الذي يميزها عن غيرها من الجمعيات. لا يعرفون سوى أنها جمعية إسلامية سلفية موالية للحكم، وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمه، ولكن هذا فقط ما يعرفه معظم الناس

وما يدفعهم للوقوف مع هذه الجمعية هو مجرد ثقتهم بالقائمين عليها، والاطمئنان لمنهجهم، دون معرفة ماهية تفاصيل هذا المنهج، الذي بات كالصندوق الغامض الذي يسمعون عنه ولا يعرفون ما بداخله!

بل يمتد التقصير إلى أكثر من ذلك، فنجد الجهل السياسي، الذي أقسمه إلى قسمين، جهل بالواقع، وجهل بالسياسة الشرعية، نجده آفة كثير من المنتسبين لبعض هذه الجمعيات نفسها، ولا نجد حرصاً لتغيير هذا الواقع. وعلى سبيل المثال أيضاً، طيلة الفترة التي كنت فيها عضواً في جمعية الأصالة الإسلامية –وصدقوني لا أدري هل ما زلت عضواً أم لا، ولم أرغب بعد في التثبت من ذلك!-، ومنذ تأسيسها، لم أسمع يوماً عن محاضرة، أو ندوة، أو دورة، أو ورشة عمل خاصة بالأعضاء تتناول شأناً سياسياً، تسعى الجمعية من خلالها لزيادة رصيد الثقافة السياسية لدى أعضائها! فما بالنا بغير الأعضاء الذين يشكلون القاعدة الشعبية لها؟!

يقول صديقي معلقاً على هذا التقصير، وأوافقه تماماً قوله: (“وعد” جمعية بلا نواب، و”الأصالة” نواب بلا جمعية) !

كثير من الشباب المنتسبين لجمعيات سياسة غير إسلامية، يودون معرفة القواعد والقناعات التي على أساسها تبني الجمعيات الإسلامية مواقفها السياسية. يسألني مرة أحد الأخوة: (لماذا تعدون الديمقراطية حراماً؟). سؤال كهذا، في ظل وجود عدد من الجمعيات السياسية الإسلامية، وبعد مضي خمس سنوات على التجربة البرلمانية، وسيطرة الإسلاميين على المجلس النيابي، وخدمة بعض الصحف لهم، في ظل هذا كله، سؤال كهذا ينبغي أن لا يُسأل، وأن تكون إجابته معلومة بطبيعة الحال.

وهناك من يسأل، إذا كانت الديمقراطية حراماً كما تقولون، فما هو البديل؟ وكيف ستصلون لهذا البديل؟ ومتى ستصلون إليه؟ وهل هو كفيل لوقف الفساد الإداري والمالي والقضائي؟ ومتى يجوز أن يشارك الشعب في وضع القوانين في نظركم، ومتى لا يجوز؟ هذا عن قضية واحدة، الديمقراطية، وهناك تساؤلات كبيرة وكثيرة، حول موقف الإسلام من مختلف القضايا السياسية، ينتظر إجاباتها عدد لا يستهان به من الناس.

يجب أن يحذر القائمون على الجمعيات السياسية الإسلامية من فصل الدين عن السياسة في دعوتهم! فكما نلمس الجهد المشكور في تعليم الناس دينهم من إفراد الله بالعبادة، إلى المنهج الصحيح لتفسير النصوص من آيات وأحاديث، إلى فقه العبادات، إلى فضائل الأخلاق والآداب، يجب على القائمون على هذه الجمعيات أن لا يستبعدوا السياسة الشرعية من هذا الجهد، وأن يصرف جزء منه لتعليم الناس: وجوب أداء الأمانات من الراعي والرعية، إلى مبدأ الشورى، إلى وجوب طاعة ولي الأمر، إلى موقفنا من ولي الأمر إن أخطأ، إلى بيان من هم ولاة الأمر الواجبة طاعتهم، هل هو رأس الدولة فقط، أم أنهم جميع المسئولين، حتى مسئول الفراشين في أي دائرة حكومية؟! وما هي مبادئ العلاقات الدولية في الإسلام؟ وغيرها من أمور كثيرة لا يمكننا حصرها هنا.

إن استمرار التقصير في تعليم الناس السياسة الشرعية، يجعل من المنهج الإسلامي، في عيون العامة، عبارة عن تصرفات واجتهادات أفراد الإسلاميين في الميدان السياسي من خلال ممارستهم، وليس أحكاماً وقواعد مستنبطة من النصوص الشرعية. فتصبح أفعال وتصرفات الأفراد هي النظام السياسي في الإسلام! وهذا كما هو معلوم خلط كبير. ولكم أن تتخيلوا حينها حجم “الترقيعات” التي سنضطر للقيام بها كلما أخطأ ناشط سياسي منتمي لجمعية إسلامية، حتى لا يفقد الناس الثقة بالإسلاميين وبالتالي يفقدوا الثقة بالمنهج الإسلامي برمته!

كما أن استمرار إهمال هذا الجانب يفسح المجال للمتطرفين للخروج بأفكار وأحكام متطرفة وشاذة، كفيلة بتفريق المجتمع وخرابه، فننشغل بعدها بإصلاح ما فسد من عقول وأفهام. فلنبذل جهداً للوقاية من هذا التطرف، من خلال تعليم الناس السياسة الشرعية، وإطلاعهم أكثر على واقعهم الذي يعيشونه وما يتطلبه من أحكام، وسيكون بعدها تقويض هذه الأفكار واجتثاثها أسهل بكثير، وما قضية تكفير الشيخ عادل المعاودة ببعيد.

في الحقيقة، هذا المقال ليس جرس إنذار، إنما صرخة صامتة، أطلقها مع كثير من الحرقة، وكثير من التقدير والاحترام، للقائمين على جميع الجمعيات السياسية الإسلامية، ألفت بها انتباههم لضرورة نشر الوعي السياسي الإسلامي، من خلال مختلف القنوات وأكثرها فاعلية، وأذكرهم بأن هذا الوعي لا يقتصر تعريفه للناس من خلال المواقف السياسية التي تتخذ بين الفينة والأخرى، إنما من خلال تعليم الأسس والقواعد التي نبني عليها جميعاً رؤيتنا الإسلامية لمختلف القضايا السياسية. كما وأذكرهم أنهم مسئولون أمام الله عن ذلك، ولا يقتصر تواصلهم مع الناس للحديث عن الانجازات المتواضعة، أو للحصول على أصواتهم عند الاقتراع

وفق الله الجميع لما فيه خير البلاد والعباد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: