الوفاق وولاية الفقيه – عمار العباسي

عمار العباسي

قبل أي شيء، يجب أن نعي، أن مهما كان يقيننا برؤانا، لا نملك كما أؤمن لتجنيب الأبرياء هذا الصراع المشتبك إقليميا بالحقوق والمظالم الداخلية سوى الحوار.. ليس بالضرورة لأن ممثلي الطرف الآخر يستحقون، بل لأن من خلفهم من جمهور يستحقون بكل تأكيد، نحن ولدنا كلٌ له مذهبه، وأغلبنا لم يختر حتى توجهه الديني أو الليبرالي بقناعة شخصية، هذه لحظة تاريخية طبيعية، علينا لكي نتجاوزها أن نفتح بكل أدب وخلق جل الصناديق المغلقة، بأدب وخلق لأننا نود الانفتاح على الآخر لتصحيح الواقع، يجب أن لا يقتصر الحوار والخطاب على الغرف المغلقة، فتلك أسوأ الحلول، لابد أن يكون حوارا مفتوحا مجتمعيا، يكسر كل التوابيت، ليس لتدنيسها بسوء الخلق، وفوضى المشاتمة الطائفية القائمة، بل للوصول للحل الجامع لبحرين للجميع.

من هذا الباب، الحوار القائم والمتكرر في فوضى مشاتماتنا الطائفية، حول الوفاق وولاية الفقيه، لا يخلو هذا الحوار من إفراط وتفريط، وكثيرا ما يقال أنه مجرد خوض بالنيات، أو إساءة ظن، وأن المطالب القائمة في وثيقة المنامة على سبيل المثال لا تذكر شيئا طائفيا، وليس فيها ولاية الفقيه، أو أن ولاية الفقيه غير ممكنة التطبيق في البحرين، خلافا لإيران مثلا!، هنا سأحاول من خلال خطب وعبارات الوفاق وقياداتها نقاش كونها تتبع ولاية الفقيه أم ماذا..

وهذا النقاش والطرح ليس طائفيا، إن الحديث عن مشروع طائفي ليس عمل طائفي! لا يمكن قلب المعادلة، ما لم يتضمن هذا النقاش طرح مضادا طائفيا كذلك قائم على التعميم.

أولا ولاية الفقيه بكل اختصار هي إيكال مهمة الإمام المعصوم، ليقوم بها الفقيه في فترة غيبته، فالإمام الذي أوكلت له مهام تسيير الجيوش وإدارة شؤون المؤمنين وحكمهم، بالإضافة لمهام حراسة التشريع وغيرها، عندما يغيب غيبته الكبرى كما هو الحال القائم عن التنظير الشيعي، يصبح المذهب بين خيارات: تعطيل الأحكام، التعطيل الجزئي، عدم تعطيل شيء، وتعطيل الأحكام مؤداه إنكار الولاية للفقيه، والإتكال على الانتظار فقط، أما التعطيل الجزئي فمؤداه إثبات الولاية الخاصة أو الجزئية، وهي نوعان عموما لا داع للتفصيل، وبالتالي يعطي الفقيه الولاية في قضايا لا يصح تعطيل حياة الناس من دونها، كالولاية على مال اليتيم أو القضاء وغيره، وعدم تعطيل شيء مؤداه إثبات كل مهام الإمام للفقيه، وهذا ما يسمى بالولاية العامة، وهي تعني أن الفقيه ولي أمر المؤمنين في كل شيء يشمله الإسلام، سياسة وشأن عام وقضايا عبادية وغيرها.

http://www.youtube.com/watch?v=CqRH9qa57SY

لست مختصا بالطبع، ولست أهل علم في المذهب، لكن هذا ملخص قراءات متعددة، إن كان في المختصر خلل يخل بسياق الفكرة التي يناقشها المقال فسأكون سعيدا بالملاحظات. أما والآن، فإن الإمام الحجة محمد بن الحسن المهدي كما يؤمن بوجوده الشيعة الإثنى عشرية فهو غائب، فمن يلي مكانه؟ وما هو مدى الولاية عنه؟ وماذا تعتقد الوفاق وقياداتها في هذا الشأن؟

لاشك عندي من خلال خطب وتصريحات قيادات الوفاق أنهم يؤمنون بالولاية العامة، وهذا ما سأثبته لكم ونناقشه بروابط المثبتة له، ثم نناقش الشبهات اللاحقة أو الإنكار الذي يقدم مؤخرا من قيادات الوفاق لولاية الفقيه.

نبدأ بلقاء سابق لحسن مدن في 2009 بصحيفة الأيام، وحسن مدن شخصية معارضة، وهو الأمين العام للمنبر التقدمي، ينقل في اللقاء حديثا صريحا حول ما يتداول في اجتماعات المعارضة فيما بينها، فيقول بالنص: “وممثلو الوفاق قالوا بصراحة أن المجلس العلمائي هو مرشدهم ولا يمكن أن يتصرفوا خارج إرادته، وأن لا قرار مستقلا للوفاق عن إرادة المرجعية الدينية”

المصدر:  http://www.rtladp.org/ar/print.art.asp?aid=116647&ac=2

هذا نص واضح تماما، من شخص يفترض أن لا يكون محل تهمة في نقله، وهو لا يقدم رأيا، هو ينقل “ممثلو الوفاق قالوا بصراحة”، وهو واضح تماما في التبعية “لا يمكن أن يتصرفوا خارج إرادته، وأن لا قرار مستقلا للوفاق عن إرادة المرجعية الدينية”، وهنا نؤكد على نقطة، الوفاق كيان سياسي، والحديث عن تبعية في قضايا الدين واستقلال سياسي مجرد هراء وتهرب، هنا الوفاق تتبع المرجعية سياسيا، ولا تأويل معقول مقبول لغير هذا.

وهنا نقطة مهمة، ليست هنالك مشكلة في أن يزاول أي إنسان العمل السياسي، ليكن عيسى قاسم قائد الجمعية، ينتخب ويحاسب، يفوز ويخسر، لكن أن يبقى يدير كل شيء من برجه العاجي، فهذا يجعله فوق النقد، ومتصرفا بالرأي باسم الدين، وهنا لب الثيوقراطية.

ننتقل لنص آخر، هنا خليل المرزوق الذي لم يستطع إنكار إيمانه بولاية الفقيه في برنامج الاتجاه المعاكس، هنا يتحدث بوضوح تام مستغلا العاطفة الدينية لينتصر في الانتخابات: “نحن مع خط المرجعية، ومع خط الإسلام الذي يرتفع إلى عنان السماء ضمن الرؤية الإلهية المحبة للأمن والسلام والاستقرار، هذا الخط الذي حوته الحكمة وحواه الشارع، أنا ابن هذا الخط، ولا أبقاني الله لأن أكون في خط غيره”

المصدر: الوسط:  http://www.alwasatnews.com/mobile/news-483155.html

المرجعية كمصطلح واضح تماما في الفقه الشيعي، وهو يقول أنه مجرد تابع لها، ويسبغ عليها هالات القدسية، ويدعو الله أن لا يبقيه إن غير خطه، ونحن نتساءل مع التصريحات التي تنكر ولاية الفقيه، هل يرجو المرزوق أن يتوفاه الله الآن؟ أم أنها تصريحات إعلامية فحسب؟!

ولا معنى بتاتا أن أقول أنا ضمن خط المرجعية _والمرجعية بطبيعة الحال مذهبية_ وأقول بأنني أحتضن الجميع وأسعى لبحرين للجميع!.

أما علي سلمان، الأمين العام للوفاق، فهنا مقتطفات من إحدى خطبه، وهو يتحدث عن القيادة: “نحن في البحرين ألسنا مجموعة بشرية، ألسنا أكثر من النمل والنحل أهمية، ألسنا أكثر من أسرة يجب أن يكون لها قيم، ألا تحتاج هذه المجموعة لقائد في قضاياها المذهبية وفي تعلم دينها وعقيدتها ومشاكلها الخاصة وقضاياها الوطنية ودفاعها عن مصالحها وحقوقها وكل صغيرة وكبيرة، هي مجموعة متميزة عقائدياً تتبع أهل البيت وتشترك في هذا الوطن على أساس المواطنة ولها حقوق منتهكة، هذه المجموعة ألا يجب أن يكون لها قائد وإمام يعصمها، ألا يقول العقل والدين بذلك.”

لا أدري، هل يحتاج النص لتعليق؟ قضايا الوطن وكل صغيرة وكبيرة، ومتميزة عقديا وتتبع أهل البيت، ولابد لها من قائد وإمام يعصمها.. إنه يبيع الوهم.. يبيع عصمة مزيفة على أتباعه! وهو يقول بشكل صارخ أنه يتحرك عقديا، بينما بعض من نناقشهم ينكرون الشكل الصارخ للوفاق ككيان مذهبي صرف!.

يكمل في خطبته: “وفي الملك فبويع الملك الجديد من دون فراغ ليوم واحد في الرئاسة، وهو قائد واحد وليس اثنين، إذا كان فيها غير الله فسدت، هذا الكون، وإذا كان هناك ربانان في سفينة واحدة تطبع، وغمد السيف لا يتحمل إلا سيف واحد، لا يجتمع سيفان في غمد”

والنص واضح.. القائد واحد.. وهو يدعوهم لاتباعه.. والتسليم بقيادته.. فمن القائد لهذا الوطن حسب علي سلمان؟ كيف نختاره؟ يجيب عن الاختيار بقوله: “من يختار هذا القائد؟ في فهمي تختاره الأمة، بيعة رسول الله اختيار، وعلى أي أسس تختار الأمة القائد؟ على الأسس التي تركها الله في كتابه، الخيار للأمة، هل للأمة أن تختار خارج إطار الأسس التي حددها الله؟ لو اختارت الأمة على غير أسس كتاب الله يأتي جواب علي “لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين”، وعندما مدت يد أبي سفيان لمبايعة علي قال له أعرف ما تريد ولكن استقرار أمر الإسلام بهذه الخلافة أفضل عندي مما تصبو إليه. الأمة في استقبالها للإمام الخميني اختارته، هذا اختيار نمطي تقليدي من غير صناديق الانتخاب لعدم وجود إمكانية ذلك، إذا أمكن ذلك يختار عن طريق الانتخاب. مجلس الخبراء اختار القائد الخامنائي ومجلس الخبراء اختارته الأمة، ومن اختار السيستاني؟ الأمة التي تنزل وتشارك في الانتخابات وتواجه الموت، فهناك اختيار منظم وهناك اختيار تقليدي ولكن على أسس الله، ومعروفة وصية الإمام العسكري ووصية صاحب الزمان التي تحث على الرجوع للفقهاء وتقليدهم.”

يحتاج لتوضيح؟ من المقبول تماما إلغاء التصويت لدى ثقافة علي سلمان الديمقراطية، من المقبول أن يتم الاختيار بالشكل الذي يسميه تلقائي، كيف تم هذا الاختيار التلقائي؟ نماذجه؟ الخميني، السيستاني، ماذا قدم الاثنان على صعيد المواطنة، على أسس الله! ووصية الإمام العسكري ووصية صاحب الزمان التي تحث على الرجوع للفقهاء وتقليدهم؟ فيم يقلدون بالله؟ هذا ليس تنظيرا لولاية الفقيه سياسيا؟!

يكمل: ” الكل يخطئ ويصيب وكل قائد غير معصوم يخطئ ويصيب، ولكنه مادام في موقف القيادة فليس له إلا الطاعة والنصيحة والمشورة والتسديد، وليس في معنى القيادة إلا الطاعة على خلاف ما تعتقد، على خلاف ما تراه وإلا لا يصبح قائداً. الأمة عندما تختار فعلى هذا الأساس. “

أها.. يبدو أن لدينا طاعة ولي الأمر السلفية تطبق مع الولي الفقيه، ليس لك أن تكون معارضا، فقط النصح والمشورة والتسديد!

وبعد أن اختار عيسى قاسم قائدا يؤكد: “أنا خادم وسيف وجندي تحت يد القائد”.. الخطبة كاملة، وفيها كلام آخر، أظن من الجيد قراءتها كاملة:  http://shahrakan.net/vb/showthread.php?t=3674&page=2

في خطبة أخرى أيضا لعلي سلمان يقول: “نتبنى بنفس المنهجية ونفس القوة عدم التفريق بين مرجعية الفقيه في شؤون الفتوى وبين مرجعية الفقيه في القيادة السياسية كنظرية سياسية، نختلف مع هذا مع آخرين ونختلف في هذا مع نظريات إسلامية ونختلف في هذا مع النظرية الديمقراطية، ولا عيب أن نختلف، فهذه نظريتنا وهذه إمامتنا وهذه عقيدتنا، ولذا ما ثبتناه للإمام نثبته للفقيه”. المصدر:  https://twitter.com/#!/Galqahtani/status/158571285205614594/photo/1‬ وهنا المصدر الأساس من المنتدى ولكنه معطل حاليا:  http://www.fajrbh.com/vb/showthread.php?t=1542

أظن النص واضح وصارخ تماما، الإمام المعصوم = الفقيه، والولاية سياسية أيضا، وإقرار صارخ أن هذا يناقض الديمقراطية!.

وهنا خطبة أخرى، ولكنها لحيدر الستري:

http://www.alwaqt.com/art.php?aid=176994

يقول فيها بأن عيسى قاسم هو بمثابة علي بن أبي طالب في البحرين، والتقليل من شـأن المرجعية تقليل من شأن الرسول!

ومن يتوق للنظر لوجه علي بن أبي طالب فلينظر إلى وجه عيسى قاسم!

يقول صراحة: “نحن نؤمن بأن إمامة آل بيت رسول الله -عليهم السلام- من بعده من أصول مذهبنا، ونؤمن بأن مرجعية الفقهاء وولاية الفقهاء لا تختلف عن إيماننا بما سبق، فالأئمة الأطهار خوّلوا الولي الفقيه القيام بدورهم وأي استسهال وتقليل من شأن المرجعية الدينية لا يختلف عن التقليل من شأن الرسول (ص) والأئمة الأطهار (ع)، وهذا الكلام كما أن له تأثيراً كليّاً على صحة عباداتنا وطقوسنا الدينية، كذلك له تأثير أساس على وجودنا ونهضتنا ومصير أمتنا، فلا يمكن لهذه الأمة أن تنهض إلا انطلاقا من العودة الصحيحة لانتمائها وهويتها الحضارية التي تتلخص في العودة الصحيحة للإسلام الحقيقي”.

صراحة ينطق بولاية الفقيه، وأنها تشمل قضايا الوجود والنهضة ومصير الأمة، أظن هذا واضح تماما اشتماله على السياسة!

بل فوق هذا كله، يصرح بوضوح أن الولي الفقيه يتدخل في الانتخابات ويحقق الانتصار، وقد فعل ذلك في العراق! والحديث عن تدخل إيران باسقاطها إياد علاوي بعد فوزه على المالكي بالتفاف صارخ على الديمقراطية..

“واستمر المسلمون يحققون الانتصارات تلو الانتصارات بالتفافهم حول رسول الله (ص)، ورأينا في عصرنا كيف حققت الجمهورية الإسلامية في إيران المعجزات وانتصرت على دول العالم الكبرى مجتمعة بما تمتلك هذه الدول من إمكانات وثروات وأسلحة وآلة قتل جبارة، انتصرت الجمهورية الإسلامية في نشأتها إبان الحرب التي أشعلها النظام البعثي البائد في العراق على رغم وقوف جميع الدول الكبرى معه، كما أنها حققت انتصارها مؤخراً بعد عملية انتخابات تاريخية بفضل مخزون القوة الذي تمتلكه قيادة الولي الفقيه والتفاف المؤمنين حولها، وقد اتضح للعالم أن ولاية الفقيه هي الهدف الأول الذي توجّه نحوه الدول الكبرى سلاحها وسهامها وكافة إمكاناتها الإعلامية والاقتصادية وتحالفاتها السياسية”.

وكل ردات الفعل بعد الخطبة، كانت متعلقة بوصف عيسى قاسم علي البحرين، واعتبارها مبالغة، لا أكثر، أما مفهوم ولاية الفقيه فلم يمس من عيسى قاسم ولا المجلس العلمائي في ردودهم، بل أكدوا عليه، وهذه مقالات متزامنة مع الحدث لعلي الديري يثبت فيه ذلك..

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11515

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11574

أخيرا: هل نفترض وجود تحول وثورة فكرية مثلا في الوفاق؟ الخطبة الأخيرة عام 2009، وكلام المرزوق كان في انتخابات 2010، ولا يبدو هنالك تغير واضح، لكن مجرد مراجعة تويتر، ستجد فيه تغريدات حمزة الديري عن الفقيه القائد الذي يقرر قضايا متعلقة بالحوار، أو لجان تقصي الحقائق، ولتراجع تغريدات مجيد ميلاد عن الشيخ القائد.. هؤلاء يتحدثون في السياسة، ويتحدثون عن قائد فقيه، وليست ولاية الفقيه في السياسة؟ أظن هذا ضرب من الجنون أن نطالب بتصديقه.. https://twitter.com/#!/Haldairi/status/141791662467846144

أعتقد تبين بشكل صارخ وجلاء ظاهر أن الوفاق هي ولاية الفقيه، وأن التصريحات النافية نستطيع تسميتها بكل وضوح أنها تقية لا أكثر..

يقال أن البحرين بتشعباتها لا يمكن تطبيق ولاية الفقيه فيها، وهذا عجيب تماما! إيران أكثر تشعبا، والعراق كذلك، وحيدر الستري يقر أن الانتخابات بالعراق خرجت بعد ختم الولي الفقيه.. ولاية الفقيه ليست مجرد منصب المرشد رسميا كما في إيران.. الوفاق تطبق اليوم ولاية الفقيه وليس في نظامها منصب لعيسى قاسم.. لكنها لاشك تتبعه..

وطبعا لا شيء من هذا يدل على أي ديمقراطية..

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: